علم التنجيم.
- يمكن تعريف التنجيم بأنه العلم المختص بدراسة الأجرام السماوية والأجسام الكونية، ومدى تأثيرها على حياة الإنسان.
- فعلى سبيل المثال، هناك علاقة بين مواقع الشمس والنجوم والقمر وبين شخصية الإنسان وثروته وعلاقاته العاطفية، ويُطلق على من يعمل بهذا العلم اسم المنجم، ومنذ القِدم وقد اعتبر العلماء هذا العلم خرافة لا وجود لها.
- ويرى المنجمون أن الحياة فوق كوكب الأرض تتأثر بشكل مباشر بتحركات ومواقع الأجرام السماوية، أو تطابقها مع المواقف التي تحدث في حياة الإنسان.
- كما أن تحركات الأجرام السماوية وأماكن النجوم في السماء تُستخدم في التنبؤ بما يمكن أن يقع في المستقبل، إلى جانب تفسيرها للأحداث التي وقعت في الماضي، والتي لا زالت تحدث في الحاضر، ولكن لا يوجد أي دليل علمي يثبت صحة تلك المعتقدات.
- وكانت طائفة الكهان عند البابليين والسومريين هي أول من استخدمت علم التنجيم، حيث كانوا يراقبون النجوم، وعند ملاحظتهم أي ظاهرة غريبة؛ كانوا يخبرون الملوك بها، ولذلك كان يتم تسخير هذا العلم للكهان والملوك.
- واستخدمت شعوب الأزتيك والمايا في أمريكا الجنوبية والوسطى علم التنجيم، من خلال قيامهم بحساب سير الكواكب والنجوم، ومن خلاله كانوا يحددون تواريخ المناسك الدينية والأعياد.
- وبعد انتشار هذا العلم في العصور الوسطى؛ لقى إهمالًا كبيرًا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث تم تصنيفه من العلوم الروحانية وفنون العرافة، بعد أن كان يتم تدريسه في الجامعات.
- وفي نهاية القرن التاسع عشر بزغ نجم علم التنجيم مرة أخرى، وتطور كثيرًا، على الرغم من أنه لم يعد كما كان في السابق.
- ومن أشهر الكتب العربية والغربية التي تناولت علم التنجيم كتاب التيترابيبلوس المعروف عند العرب باسم المقالات الأربع، وكتاب الثمرة، وكتاب الجغرافيا.
من اين استمد العرب علم التنجيم
- ولقد أحيا العرب التراث التنجيمي اليوناني ومزجه بالتراث الذي تركته باقي الحضارات خاصة التنجيم الفارسي والهندي، تلك الحضارات التي كانت خاضعة لإمبراطوريتهم.
- وأدى هذا المزيج إلى ازدهار علم التنجيم، وبالتالي ظهرت الأحكام النجومية العربية، وحقق المنجمين العرب شهرة واسعة، كما اشتهرت مصنفاتهم التي تمت ترجمتها إلى اللغة اللاتينية، ولقد لجأ المنجمون الغربيون للعمل بأحكام المنجمين العرب لفترة طويلة.
- ويُعد أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي واحدًا من أشهر علماء العرب الذين برزت أسمائهم في علم التنجيم، كما حقق كتابه (المدخل إلى علم أحكام النجوم) شهرة واسعة.
- ومن العلماء التي برزت أسمائهم في هذا العلم ابن قنفذ وابن البناء، بالإضافة إلى مسلمة المجريطي صاحب الكتاب الشهير (غاية الحكيم في السحر مقدس).
- وكان العالم يوسف بن يعقوب الكندي من العلماء الذين آمنوا بعلم التنجيم، حتى كتب مقال بعنوان (العلة القريبة الفاعلة للكون والفساد) يعلن فيه انقلابه على هذا العلم وسخريته ممن يستعين بالنجوم في معرفة الغيب.
- كما كان البيروني من العلماء العرب الذين تأثروا في البداية بعلم التنجيم، إلا أنه أنكر هذا العلم فيما بعد، وهاجم كل من يعملون فيه، ولقد ظهر ذلك جليًا في مقدمة كتابة (تحديد الأماكن لتصحيح مسافات المساكن).
- ومن العلماء الذين لم يصدقوا علم التنجيم بل وهاجموه ابن سينا، الفارابي، ابن طفيل، ابن حزم، وغيرهم الكثير.
- ويمكن القول أن العرب استمدوا علم التنجيم من اليونانيين والذين تعلموه من القدماء المصريين والكلدانيين.
- وكان الخليفة أبو جعفر المنصور هو أول خليفة يهتم بعلم التنجيم، كما أعطى المنجمين أهمية كبيرة في مجالسه، وعلى رأسهم المنجم الفارسي نوبخت، حيث حصل نوبخت على إذن منه لاستطلاع مواقع النجوم قبل أن يشرع الخليفة في بناء بغداد، وذلك لتحديد أنسب وقت لبداية البناء.
أنواع التنجيم وحكمه بالتفصيل
أما عن أنواع علم التنجيم فهي كما يلي:
علم التأثير
- يُعتقد في هذا العلم أن هناك تأثير من النجوم على تسيير الحوادث التي تقع في حياة الإنسان، أي أن هناك خالق آخر غير الله سبحانه وتعالى، وهو ما يُعد شرك أكبر.
- ويُعتقد فيه إمكانية معرفة الغيبيات من خلال النجوم، وذلك عن طريق رصد حركاتها وما يحدث لها من تغيرات.
- كما يُعتقد فيه أن ما يحدث للإنسان من خير أو شر السبب فيه النجوم، وهذا نوع من أنواع الشرك الأصغر، لأن ذلك يناقض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده”.
علم التيسير
- وفيه يتم معرفة اتجاه القِبلة من خلال الاستدلال بالنجوم في ثلث أو ربع الليل، وهو من أبواب هذا العلم التي يستفيد منها المسلمين.
- الاستعانة بسير النجوم للاستدلال على الجهات، وهو أمر جائز لأن ذلك من أبواب الاهتداء.
- معرفة الفصول من خلال الاستدلال بالنجوم، وهناك من العلماء من أجاز ذلك، وهناك منهم من كرهه.
علم التنجيم في الإسلام
- هناك العديد من آيات القرآن الكريم التي أكدت أن الله سبحانه وتعالى وحده هو من يعلم الغيب، فلا يمكن لأحد من خلقه الإطلاع عليه سواه.
- فقد قال عز وجل في سورة النمل: “قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ”، كما قال في سورة هود: “وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”.
- كما نفى الأنبياء عن أنفسهم ميزة الإطلاع على الغيب، فقد جاء في سورة المائدة: “يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ “.
- ولا يعلم الجن كذلك الغيب، فقد قال الله تعالى في سورة سبأ: “فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ”، وكذلك الملائكة، فقد جاء في سورة البقرة: “قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”.
- وبذلك فقد حرم الإسلام التصديق في علم التنجيم، وهناك العديد من النصوص الشرعية التي أثبتت ذلك، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد).
- كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعلق بالنجوم، فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
- وقال صلى الله عليه وسلم: “ن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف السلطان“.
- وأجاز العلماء الاستعانة بطلوع النجوم في الاستدلال على الفصول والأوقات والأزمنة، لأن ذلك من باب الفائدة الذي لا ضرر منه، ولا يُعد نوعًا من أنواع الشرك