ما هو الخذلان؟
إنّ أصعب الأمور في الحياة، أن تثق تمام الثقة بمن حولك، ويردون إليك تلك الثقة بخذلانٍ كبيرٍ غير متوقع، فيصبح الأمر أشبه بكابوس مظلم لا تفسير له، فالأمر محبط للغاية، ولكن الأصعب من ذلك، أن تخذلك نفسك، أي الشعور بالخذلان من بعد الأمل، أن تكون طموحاً، تسعى، وتسعى ولم تصل لما تريد، فيصبك الخذلان، والخيبة، وعدم المقدرة على التواصل.
ليس كل الأصدقاء أصدقاء، فهناك من تركناهم على حافة الانتظار، وهناك من تركونا نواجه إعصار الحياة، والحق أن من لم يعد صديقا لك، لم يكن صديقا أبدا كما قال أرسطو، وإذا كان هذا الأخير يُمجد صداقة الفضيلة، تلك التي تكون من أجل ذاتها، فالواقع يفرض أن ننتفع بعلاقاتنا، لأنه ليس من الحكمة أن لا تلقى الدعم والمساندة، خصوصا من أولئك الذين تعتبرهم أصدقاء، فقد تكون هناك صداقة من أجل ذاتها، لكن العلاقات الإنسانية محفوفة بالمطالب، وهذا لا يعني أنها مشروطة بوجود تلك المطالب، هذه الأخيرة تتجلى انطلاقا من المواقف التي تدفعنا فيها الحياة لطلب النجدة، وأقرب ما نطلب منهم ذلك، هم الأصدقاء، فإذا كانوا في الموعد، فهم حقا في المكان المناسب، أما إذا حدث العكس، فقد فشلنا في اختيار من يستحقون أن ينتسبوا إلى حياتنا.
لقد خذلَنا من كنا نحسبهم أصدقاء، وخذلْنا أولئك الذين رفعوا سقف توقعاتهم معنا، وبقدر ما بات الخذلان جزء من طبيعتنا، فقد بتنا نتوقعه، ولم يعد يثير فينا الاستغراب عندما نتصادفه، ونحن لا نختاره، بل الظروف هي التي تجبرنا عليه، عندما نسيء الاختيار، وعندما نضع أشخاصا في مكانة لا تليق بهم، وعندما نقلل من آخرين أكدوا لنا واقعيا أنهم يُعوَّل عليهم، فقد تُعوِّل على غريب بالكاد عرفته، ولا تجد في من كنت تحسبه صديقا متنفسا لهمومك، ونفس الأمر في العلاقات العاطفية، وكثيرة هي التجارب التي كان الخذلان هو العنوان العريض لنهايتها، فليس كل العشاق أوفياء، كما أن الوفاء لم يعد يؤخذ بعين الاعتبار، ثم إن لعبة المشاعر لم تعد أهميتها تثير من يبدل قصارى جهده من أجلها، فقد تتوقع من حبيب أن يتفهمك، وينبغي بدوره أن يتحملك، لكنه يترك في الأوقات بدل الضائعة، يتركك تائها ضائعا بين مخلفات مشاعر كنت تَزعم أنها كانت تليق بما كنت تفعله من أجلها، لكنك تأكدت بالملموس أن الخذلان جزء من الطبيعة البشرية، وحتى لمن سلمتهم مفاتيح قلبك، توقع منهم الخذلان.
كان خذلانهم كفيلا بأن يُخبرك أنّ كل اللحظات الجميلة التي جمعتك بهم ماهي إلاّ فقاعات صابون رغم أنك تشبثت بها بكلتا يديك وبكل قوة إلا أنها تطايرت إلى أماكن لا يحقّ لك الوصُول لها، أو أنّها تلاشت قبل وصُولك، أو مرت رياح الدنيا وسرقتها وربما وصَلت إلى مكان أبعد من أن تصل إليه معهم، علاقة بتاريخ إنتهاء الصلاحيّة! خِذلان قد أحرق مِساحات قلبك البيضاء وانتهى، فصَارت رمادا لا يُكتب ولا يُشكى، بل هو في مواسِم الذّكريات يُبكى. أتعلمُ شيئا يا صديقي إنّنا وبالرّغم من كلّ الألم الذي عشناه، إلاّ أنّنا لا نتوقّفُ عن منحِ أولئك الذين خذلونا ذات حزن أو ذات فرح فرصا جديدة، وهم بدورهم لا يتوقّفون عن خذلنا، لكن بعد كلّ خِذلان يتملّصُ القلبُ منهم شيئا فشيئا إلى أن يصبحوا غرباء كما لم يكونوا يوما.
في النّهاية، حاول ألا تُبالغَ في أيّ شيء فخلف كلّ مبالغة صَفعةُ خِذلان، وانصر كلّ من خذلوك في المَواضع التي ظنّوا أنّك ستخذلهم بها، فقط لتخبرهم بأنّهم خَذلوا أنفسَهم بأنفسِهم حينمَا خذلوك، ولا خذلان أسوء من خذلان العبد لربّه حينما يتمَادى عليه بعِصيانه، مع أنّه عبد فقير لرب غني عنه، وخذلان المرء لنفسه ولحُلمه ولطُموحِه ولكل جَميل به وما عدَا ذلك دروس في الحياة ليس أكثر.
لا تعطي الأشياء أكبر من حجمها وتوقّف عن كونَك مخذولاً، فالشجعان فقط من يخوضون معارك الحياة، ومساكين من لا يملكون حكايات موجعة، فبِقدرِ ما حَمِلتْه من ألم بقدر ما يَتأتّى منها نضجٌ كبير، فالحياة لا تنتهي مع خيبة أمل يمكن أن نعيشَها، يكفي أن ندعس عليها بأقصى نضج نملكه ونضحك على خيباتنا، بل ونخيّب ظن من خذلونا فينا فلا شيء أقوى من قلوب تجرّعت مرارة الخيبات لأنّها تعلّقت بربّها فطوبى لها.