الجمهورية توداي
جريدة شبابية مستقلة

كيف بدأت حكاية مدفع رمضان؟

كيف بدأت حكاية مدفع رمضان؟

مدفع رمضان، ويعرف أيضا بمدفع الإفطار، هو من مظاهر شهر رمضان في العديد من الدول الإسلامية،وهي القذيفة الوحيدة التي تعلن عن صوت الأذان وموعد فك الصيام؛ لتناول أطعمة شهر رمضان.حيث يقوم الجيش بإطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس

مدفع رمضان

مدفع رمضان هو مدفع يُستخدم كإعلان عن موعد الإفطار وإخبار العامة عن هذا الموعد، وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية؛ بحيث يتم إطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس؛ معلنًا فك الصوم خلال شهر رمضان.

 

مَن أول من استخدمه

في العصور الأولى للإسلام كان الأذان هو الوسيلة الوحيدة للإعلان عن الإفطار أو الإمساك في شهر رمضان، وكان يوجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أذانان قبيل الفجر؛ أحدهما للتنبيه للاستعداد للسحور وقيام الليل، والثاني للإمساك عن المفطرات والإعلام بدخول وقت صلاة الفجر، وربما لم تكن الحاجة داعيةً لاستخدام وسيلة أخرى لصِغَر المدن ومحدوديتها آنذاك.

وبعد اتساع المدن وتباعد المساجد، استُخدم المدفع في الإعلان عن وقت الإفطار والإمساك في رمضان.

واتفقت الروايات على أن أول مدينة استُخدم فيها المدفع في الإعلان عن وقت الإفطار والإمساك في رمضان هي مدينة القاهرة.

ولكن اختلفت الروايات في تاريخ استخدامه، وأول من استخدمه من القادة والولاة على عدة روايات هي:

الرواية الأولى:

تذكر أنه عند غروب شمس اليوم الأول من رمضان عام (865هـ- 1444م)، أراد “خوش قدم” والي مصر في العصر الإخشيدي، أن يجرب مدفعًا جديدًا أهداه له أحد الولاة وقت الغروب؛ فظن الناس أن السلطان تعمّد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان؛ فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم، تشكر السلطان على هذا العمل الحسن التي استحدثه، وعندما رأى السلطان سرورهم؛ قرّر المضيّ في إطلاق المدفع كل يوم إيذانًا بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعيْ السحور والإمساك.

 

الرواية الثانية:

تقول إن انطلاق مدفع الإفطار، جاء في عهد محمد علي الكبير عام 1805م، وجاء بمحض الصدفة؛ حيث كان محمد علي مهتمًا بتحديث الجيش المصري وبنائه بشكل قوي، يتيح له الدفاع عن مصالح البلاد، وأثناء تجربة قائد الجيش لأحد المدافع المستوردة من ألمانيا، انطلقت قذيفة المدفع مصادفة وقت أذان المغرب في شهر رمضان، وكان ذلك سببًا في إسعاد الناس، الذين اعتبروا ذلك أحد المظاهر المهمة للاحتفاء والاحتفال بهذا الشهر المبارك، واستُخدم المدفع بعد ذلك في التنبيه لوقتيْ الإفطار والسحور.

 

والرواية الثالثة: تقول: إن أول مدفع أُطلق للتنبيه للإفطار والإمساك في رمضان، كان في عهد الخديوي إسماعيل؛ مستدلين بوجود “مدفع الحاجة فاطمة” في قصر الأميرة فاطمة إسماعيل، ابنة الخديوي إسماعيل؛ إذ يوجد مدفع إفطار تاريخي يسمى “مدفع الحاجة فاطمة”، والذي تباينت روايات المؤرخين حول أسباب تسميته بهذا الاسم؛ ولكن الرواية الأشهر في هذا الصدد تُقِرّ بأن اسمه يقترن بالأميرة فاطمة إسماعيل ابنة الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر من 18 يناير 1863 إلى 26 يونيو 1879.

 

الجمع بين تلك الروايات

يمكن الجمع بين تلك الروايات، بأن أول من استخدم المدفع في رمضان هو “خوش قدم” الإخشيدي عام (1444م- 865هـ)، ثم انقطع استخدامه مع مرور الزمن، وجدد استخدامه محمد علي الكبير عام 1805م، ثم انقطع استخدامه وجدد استخدامه الخديوي إسماعيل بطلب من ابنته فاطمة وقت حكم والدها الذي استمر من 18 يناير 1863 إلى 26 يونيو 1879.

 

ومما يؤيد هذا الرأي، ما أكدته إحدى الرويات في أنه في منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عهد الوالي “عباس حلمي الأول” عام 1853، كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة، الأول من القلعة، والثاني من سراي عباس باشا الأول بالعباسية، وبمضيّ الوقت، تَوَقف المدفع عن الانطلاق، وفي عهد الخديوي إسماعيل، ذهب العلماء والأعيان لمقابلة الخديوي؛ لطلب استمرار عمل المدفع في رمضان؛ ولكنه لم يكن موجودًا، فقابلوا الحاجة فاطمة ابنته التي أصدرت فرمانًا بانطلاق المدفع وقت الإفطار والسحور، وأضيف بعد ذلك في الأعياد؛ فأطلق عليه الأهالي اسم “الحاجة فاطمة”، ومنذ ذلك الوقت ومدفع رمضان ينطلق من قلعة صلاح الدين بالقاهرة، واستمر هذا حتى وقت قريب”.

 

هكذا انطلق أول مدفع للإعلان عن الإفطار والصيام في القاهرة؛ ولكن المدفع توقف عن عمله لفترة، وأصبح الناس يُفطرون على صوته المسجل في الإذاعة فقط؛ إلا أنه عاد مرة أخرى بناء على أوامر وزير الداخلية آنذاك أحمد رشدي، الذي أمر بتشغيله ثانية، ومن المكان نفسه فوق سطح القلعة، طوال أيام شهر رمضان وخلال أيام عيد الفطر أيضًا.

ثم اعترضت هيئة الآثار المصرية على موقع المدفع؛ بحجة أن المدفع يهز جدران القلعة والمسجد والمتاحف الموجودة في المكان؛ فوافقت وزارة الداخلية على نقله مرة أخرى من القلعة إلى جبل المقطم القريب أعلى القاهرة؛ مما يتيح لكل أبناء العاصمة الكبيرة سماعه.

ثم انتقلت هذه العادة بإطلاق مدفع رمضان إلى الكثير من محافظات مصر؛ لأنها تضفي البهجة على هذا الشهر الكريم، ويخصص لكل مدفع مجموعةٌ من صف الضباط الأكفاء؛ حتى لا تتقدم أو تتأخر الأوقات، ويكون ذلك تحت إشراف الجهات الأمنية.

الدوال العربية والإسلامية

بدأت فكرة مدفع رمضان تنتشر من مصر إلى الدول العربية والإسلامية؛ إذ انتشرت في أقطار الشام بداية بالقدس ودمشق ومدن الشام الأخرى، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وبعدها انتقل إلى مدينة الكويت؛ حيث جاء أول مدفع للكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح؛ وذلك عام 1907م، ثم انتقل إلى كافة أقطار الخليج قبل بزوغ عصر النفط، وكذلك اليمن والسودان وحتى دول غرب إفريقيا، مثل تشاد والنيجر ومالي ودول وسط وشرق آسيا؛ حيث بدأ مدفع الإفطار عمله في إندونسيا سنة 1944.

ما حكمه؟

مدفع الإفطار لم يُستخدم في العصور المفضلة، ولم يُعرف في العالم الإسلامي إلا في عام 865 للهجرة وما بعده.

ولكن لا يوجد مانع شرعي أو محذور من استخدام المدفع في تنبيه الصائمين؛ بل يوجد مصلحة محضة لاستخدامه؛ لا سيما إذا دعت الحاجة إليه؛ ككبر البلد، وتباعد المساجد، فقد لا يسمع الأذان مَن كانت منازلهم بعيدة عن المساجد.

وقد سئل الشيخ عبدالكريم الخضير هذا السؤال: ما حكم المدافع التي تطلق عند وقت الإفطار؟

فأجاب حفظه الله: “هذه دعت إليها الحاجة، ولا مفسدة، قد يقول قائل: كانت الحاجة داعية في عصره -عليه الصلاة والسلام- فلم توجد؛ فهي داخلة في حيز البدع فيما قرره أهل العلم؛ نقول: الوضع يختلف تمامًا، كان المجتمع صغيرًا جدًّا في عصره عليه الصلاة والسلام، ويرون الشمس ويرون الفجر طلوعًا وغيابًا؛ أما الآن فمن يرى الصبح ومن يرى طلوع الشمس ومن يرى غروب الشمس؟ لا بد من شيء ينبه الناس إلى ذلك، وهذا مصلحة محضة ولا مفسدة فيه بوجه من الوجوه، والشرع جاء بتحصيل المصالح.. فبالنسبة للمدافع التي تطلق عند وقت اللزوم أو وقت الإفطار؛ فهذه مصلحة محضة، والناس بحاجة إليها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.