كتبت : مي هشام سعيد
السيمفونية هي مؤلف موسيقى يتكون من حركة واحدة على الأقل، ويكتب عادة من أجل الأوركسترا. يرجع نشأ هذا النوع من التأليف الموسيقي الي القرن الثامن عشر، ثم بدأ في التطور علي أيدي بعض أعلام الموسيقى الكلاسيكية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وأواسط القرن العشرين حتى استقرت على الشكل الحالي.

منذ القرن الثامن عشر تبلور البناء العام للسيمفونية ليكون من شقين أساسيات . حيث تقوم الأوركسترا بعزف السيمفونية عليها، وتختلف أحجامها تبعا لنوع الأوركسترا
وترجع التسمة الإنجليزية “Symphony” إلي لفظان يونانيان وهما لفظة “Sym” وتعني Together أي “معا” بالعربية، ولفظة “phone” وتعني “صوت” بالعربية. ليصبح اللفظ كاملا “Sounding Together”، وأقرب ترجمة له بالعربية هي “إنشاد جماعي”. كما ترجع أيضا إلي لفظة لاتينية وهي “Symphonia”.
أما في القرن السابع عشر، فقد ظهر اللفظ في أعمال كل من جوفاني غابرييلي وهينريش شوتز وموسيقيون اخرون. ثم جاءت اللفظة الإيطالية Sinfonia لتظهر في أعمال آخري. وهكذا بدأ اللفظ في الانتشار منذ منتصف القرن السابع عشر وتطور السيمفونية في القرن الثامن عشر خلال الحقبة المعروفة باسم العصر الباروكي (أو الحقبة الباروكية) والذي امتد لمدة قرن بين عامي 1650-1750 م.
كما ترجع البدايات الحقيقية للعمل السيمفوني لعصر الباروك، مع نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، حيث استخدمت السيمفونية كافتتاحية إيطالية للأوركسترا والتي عادة كما كانت تتكون من ثلاث حركات في أنماط راقصة. وقد ظهرت عادة في أعمال ألساندرو سكارلاتي واخرون. وفي ذلك الوقت لم تكن السيمفونيات تعتبر من الأعمال المشهورة، بل كانت تقتصر ثلاثة أنواع من الحفلات؛ أولها حفلات الأوبرا وذلك في هيئة أوبرا وثانيها في الموشحات الدينية بالكنيسة – علي هيئة أوراتوريو كما ظهرت ثالثا في الحفلات التي تقام بدون تمثيل – علي هيئة كانتاتا ولم تكن مدة السيمفونية في أي من هذه الصور الثلاث طويلة، بل كانت تتراوح عادة بين 10-20 دقيقة كحد أقصي.
وبالتوازي، يعتبر “ريبيينو كونشيرتو” أحد أسلاف السيمفونيات، وهو عبارة عن كونشرتو للآلات الوترية بدون صولو. وأقدم مؤلفات هذا النمط قام بها جوزيبي توريلي عام 1698. أيضا قام أنطونيو فيفالدي بكتابة أعمال علي هذا النمط، غير أن أشهر أعمال هذا النمط كانت السيمفونية الثالثة من أعمال يوهان سباستيان باخ .
وهكذا ظلت الإفتاحية الإيطالية بحركاتها الثلاث هي أساس الأعمال السيمفونية في تلك الفترة، حيت كانت تتكون من حركة سريعة تسمي أليغرو تليها حركة بطيئة، وتختتم بحركة سريعة. وكانت أعمال موزارت الأولي تندرج تحت هذا الإطار. وظل الوضع علي هذا الحال حتي نهاية عصر الباروك في منتصف القرن الثامن عشر، حيث حدث تحولا كبيرا في السيمفونية من خلال أعمال كل من موزارت وهايدن حيث قاما بإدخال حركة رابعة راقصة مع تعديلات بالحركة الأولي الأصلية.
وهكذا بدأت الملامح الأساسية للبناء السيمفوني في التشكل ليتم استخدامها في الأعمال الموسيقية للقرن الثامن عشر من قبل أعلام الموسيقى الكلاسيكية. وكانت أول مقطوعة تدخل نمط المينبوويت في إطار سيمفونية ذات حركات ثلاث هي من أعمال جورج ماتييس مون في عام 1740، علي أن يوهان ستاميتز يعتبر أول من استخدم هذا النمط في إطار سيمفونية ذات حركة رباعية.

وفي أواخر القرن الثامن عشر، كانت الأصوات الموسيقية هي المعول الأساسي الذي تقوم عليه الحفلات الموسيقية، سواء كانت أوبرالية أو موشحات دينية بالكنيسة. ومع تنامي الأوركسترا في أوروبا، بدأت السيمفونية تطرق مجال الحفلات الموسيقية بقوة. وامتدت فترة التحول هذه لمدة 30 عاما في الفترة 1790 إلي 1820. وكانت أعمال لودفيج فان بيتهوفن هي من قامت بثبيت أركان هذا البناء في أوائل القرن التاسع عشر.
حيث بدأت أعمال بيتهوفن السيمفونية الأولى والثانية -متأثرة بأعمال هايدن، غير أنه ابتداء من السيمفونية الثالثة فقد استطاع بتهوفن أن يرسم لنفسه الشكل الخاص به، وقد بدأت أعماله منذ هذه السيمفونية في إعطاء أبعاد جديدة وتوسيع آفاق للعمل السيمفوني، مرورابالسيمفونيات الآخرى ووصولا إلي السيمفونية التاسعة – التي ألفها وهو أصم – حيث أعطت مجالا واسعا أمام الكورس في الحركة الأخيرة – الرابعة – منا السيمفونية. وقد قام بيتهوفن بالإضافة إلي فرانز شوبرت بإدخال تغيير جديد علي نسق السيمفونية؛ حيث قاما بتطوير نمط المينبوويت إلي نمط آخر وهو نمط شيرزو ، ومنذ هذا القرن أصبحت أعمالهما خصوصا سمفونية بيتهوفن التاسعة هي المبادئ الأساسية التي راعتها الأجيال التالية في مجال الموسيقى اللكلاسيكية.
كما قامت أجيال الموسيقيين التالية التي شهدها هذا القرن بدمج المفردات الموسيقية التي قام بتطويرها موسيقيون أمثال جون فيلد ، لويس سبوهر وكارل ماريا فون ويبر يالتغييرات البنائية التي أدخلها لودفيج فان بيتهوفن على العمل السيمفوني. وكان أبرز الأعمال التي عكست هذا الإتجاه أعمال كل من الموسيقيين الألمانيين روبرت شومان وفيليكس مندلسون وبذلك نشأت فترة غنية في الموسيقي الكلاسيكية عرفت بالرومانسية، وهي تعبر أطول فترات العصور الموسيقية، فقد امتدت من أعمال بيتهوفن في بدايات القرن التاسع عشر حتي أعمال سيرجي رحمانينوف في أواسط القرن العشرين.
وهكذا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت السيمفونية في الانتشار أكثر وأكثر لتصبح من أساسيات الحفلات الأوركسترالية، كما إزدادت مدتها؛ فبعد أن كانت في بداياتها لا تزيد عن 20 دقيقة، وصلت إلي 60 دقيقة كما في سيمفونية بيتهوفين التاسعة. وقد أخذت أركان البناء السيمفوني في الرسوخ، وكانت أعمال يوهان برامز هي خير ممثل لتلك الفترة، حيث ساهمت في تثبيت دعائم البناء من خلال مستوياتها البنائية العالية ومحتواها الفني الرفيع. في نفس الوقت كانت أعمال كل من أنطون باكنر وأنطونين دفوراك وتشايكوفسكي من أعلام تلك الفترة.
وفي أوخر هذا القرن، قام بعض عازفي الأرغن الفرنسيين بتصنيف أعمالهم ضمن السينفونيات التي تحمل طابع هذه الفترة – أي الطابع الرومانسي، ومن أشهرهم شارل ماري وندور .
وشهد القرن العشرين توسعا وتطويرا في العمل السيمفوني، وأصبح مرادفا للحفلات الموسيقية التي تؤديها الأوركسترا في دول مختلفة. وبينما استمر مؤلفون موسيقيون أمثال سيرجي وكارل نيلسن كتابة السيمفونية باستخدام حركاتها الأربعة، فقد قام مؤلفون آخرون بسلوك مسلكا مغايرا، حيث قام غوستاف ماهلر بكتابة سيمفونياته الثانية والخامسة والسابعة باستخدام نسق يتكون من 5 حركات، بينما قام جون سيبيليس بكتابة سيمفونيته السابعة باستخدام نسق يتكون من حركة واحدة فقط.
وبالرغم من هذه الاختلافات، فقد استمر التأليف السيمفوني وفق الأسس التي وضعت من قبل موتسارت وهايدن ودعمها بيتهوفن؛ أي علي نسق 4 حركات للسيمفونية. وشهد هذا القرن زيادة كبيرة في عدد السيمفونيات التي تم تأليفها، كما شهد زيادة في فرق الأوركسترا التي إنتشرت في العديد من دول العالم، سواء في أوروبا أو أمريكا أو إفريقيا أو غيرها. ويندر أن تجد اليوم أي أوركسترا لا تقوم بعزف أي من أعمال هؤلاء الأعلام الذين أثروا الموسيقي بسينفونياتهم الرائعة.