الجمهورية توداي
جريدة شبابية مستقلة

العيادات النفسية خط أحمر “ممنوع الاقتراب”

الجمهورية توداي” تفتح ملف الصحة النفسية، وتستعرض تساؤلات هامة تَجول بالأذهان حول بوتقة هذا المجال الشائك مع أحد المتخصصين، الدكتور/ مصطفى النحاس “استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان” من داخل عيادته “بالإسكندرية” في حوار خاص مع “الجمهورية توداي” تحت عنوان : العيادات النفسية خط أحمر (ممنوع الاقتراب)

– حوار: ندا أكرم.

لطالما أثار هذا التخصص جدلًا كبيرًا بين الفئات والمجتمعات على مر العصور، وعلى الرغم من أهميته القصوى مع كثرة الضغوط النفسية التي يعاني منها كثيرون في المجتمعات العربية، وكلّ ما يشهده عصرنا من تقدّم على صعيد العدالة الاجتماعية، وتطوّر الثقافات، إلا أن بعض الأفراد يحجمون عن الذهاب إلى طبيب نفسي، كي يساعدهم على التغلب على أمراض عِدّة تحملها أعباء وضغوطات الحياة اليومية “كالإكتئاب، والقلق، والتوتر” مُعتبرين أن اللجوءَ إلى استشارة نفسية سيرتبط بإتهامهم بالجنون، وتشكيل “وصمة عار” اجتماعية تلازمهم كالظِّل طيلة العمر.

لذا يؤخرون تلك الخطوة، ويخجلون من الإقدام عليها، فتتفاقم مشكلاتهم النفسية، بل ويجعلهم يختلقون أفكارًا وأوهامًا أُخرى لا صِحة لها لكى تُقنعهم بما يشعرون به من تغييرات طارئة أُلقيت على عاتقهم، مما تقلب موازين حياتهم رأسًا على عقب، وتجعلهم غير قادرين على ممارسة أبسط مهامهم اليومية، ويقعون فريسة صراع بين نظرة المجتمع وضغوط الذات. ومن أبرز تلك الأفكار :

*اللجوء إلى “الشَّعوذة والدَّجل” ومن هُنا جاءت أول التساؤلات :-

-تتشابه أعراض بعض الأمراض النفسية مع أعراض السحر والمسّ والحسد، مما يجعل الناس يلجأون إلى المشعوذين وبعض النصابين تحت مسمى “مُعالِج روحاني” وهذا أفضل لديهم من الذهاب إلى “الطبيب النفسي” لما يعتقدونه مُنذ القدم أن العيادات النفسية والعلاج النفسي وصمة عار وعيبًا في مجتمعنا الشرقي. فمتى نتفادى هذه الوصمة ؟

-أجاب “النحاس” أن المشكلة تكمن في خوف الناس من العلاج النفسي، وما ينتابهم من حالة ذُعر من الاندراج في خانة “المرضى النفسيين” نتيجة لوجود نظرة عقيمة مُتأصلة في المجتمع تنظر إلى “المريض النفسي” أنّه وصمة عار عليهم الفرار من محيطها، وبسبب ذلك، يختار المرضى النفسيون، رغمًا عنهم وليس طواعية منهم، الإبقاء على سر الإصابة وهو ما يجعلهم في عُزلةٍ عن العلاج، وبالتالي في عزلةٍ عن طريق التعافي، ومما يجعلهم أيضًا يسلكوا دروب “المشعوذيين، والدجالين” وعدم الذهاب لأهل التخصص خوفًا من الوصمة.

وأكد “النحاس” أن حينها يكون الشخص في حالة من الضعف والوهن تلك الحالة تضطره إلى تصديق أي اقتراحات أو ايحائيات، ومن السهل الانسياق ورائها وهذا يُؤدي إلى تفاقم المشكلة.

كما أضاف “النحاس” أن الخوف الأكبر من “الوصمة” تقع على الفتيات، وهُنا تخشى أغلبية العائلات من معالجتهم خوفًا من حدوث خلل في السُّمعة مما يؤدي إلى تعطيل حالهم في الزواج والفشل في إقامة أسرة سوية وإدراة الحياة الزوجية بشكل طبيعي.

وقال “النحاس” بخصوص كيفية التفرقة بين المرض النفسي والسحر، أنه حتَّى في أصول الدين علينا أن نذهب أولًا للبحث على الأسباب العضوية، وإجراء الكشف والفحوصات اللازمة وعند إثبات سلامة الحالة، يبحث عن طُرق وقاية أُخرى مضمونة تبعًا “للعلم الشرعي” مُستشيرًا رجال الدين من”الشيوخ والقساوسة” الموثوق بهم، خاصةً أن الفترة الأخيرة انتشرت مزيدًا من المنشورات على “السوشيال ميديا” تتحدث عن خروج أعمال مدفونة وغيرها من المقابر عند دفن الموتى، مما أدى إلى حدوث حِيرة واختلاط في الأمور لدى المواطنين. كما حَذر “النحاس” من إتباع أهل الدجل والشعوذة الجهلاء بأمور الدين والدنيا،.

– ومن هنا وجهنا إليه سؤالًا وهو “هل مرّ عليك خلال مزاولتك للمهنة حالة وجدتها تُعاني من أعراض مس أو سحر ؟ ”

أجاب “النحاس” قائلًا: لا، خلال مزاولتي لتلك المهنة منذ البداية وحتى الآن، لم تمُرّ عليَّ حالة إلا، وكان لديها أسبابًا كافية ترتبط بالنفسية، وهذا ما يتمم معرفته والتأكيد منه من خلال التعرف على الحالة جيدًا، في سياق معرفة الحالة المزاجية، والمشاعر، والأفكار، والسلوكيات، لإيجاد الطريقة المناسبة لمعالجة الحالة، وحل المشكلات التي تواجهها خلال رحلة العلاج النفسي، ومهارات التكيف النفسي.

*إدمان “السوشيال ميديا” يُشكل خطرًا على العقول :-

-في الماضي،، كان الإدمان يقتصر على إدمان بعض الشباب والأشخاص إلى المخدرات بشتى أنواعها، أما في عصرنا الحالي، فقد ظهر نوعٌ جديدٌ من الإدمان مُتوفرَ في كُلِّ البيوت أشبه “بالسُّم القاتل” يسمم أفكارَ الكثيرين، ويستخدمه جميع الفئات العمرية الصغير قبل الكبير، ألا وهو إدمان “السوشيال ميديا” فلا يكاد يخلو يوم أي فرد الآن في أي مكان بالعالم من تصفح مواقع التواصل الاجتماعى، لما يستنفذ من وقت كبير في الجلوس عليها دون جدوى.

-ومن هنا، جاء سياق “السؤال الثاني” أثناء الحوار عن كيفية التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعى حتَّى لا نقع في فخ الإدمان، وكيفية تنشأة الطفل بعيدًا عن أجواء السوشيال ميديا ؟

استهل “النحاس” إجابته قائلًا : أن الإفراط في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يؤثر سلبًا على الصحة النفسية، كما يُعرض متابعيه من أفراد المجتمع لمشكلات نفسية واجتماعية وصحية مثل “الهوس، القلق، قلة النوم، قلة التركيز، العزلة الاجتماعية، والميل إلى الوحدة، والتأثير على الحالة المزاجية، مما يؤدي إلى الإصابة بالإكتئاب”

وأشار “النحاس” أن موقع “الانستغرام” من أكثر المواقع التي تُسبب “الإكتئاب” وهذا ما أكدته الدراسات والبحوث العلمية. لأن مُعظم مُستخدمي تطبيق “إنستغرام” يحرصوا على إظهار الجانب السعيد فقط من حياتهم، ويتجنبون مشاركة المشاكل والمتاعب، وهكذا، فإن صور الشواطئ والمطاعم الراقية،والفرح، والرفاهية، والأجسام المثالية تشكل مركبات نقص عند من يقارن نفسه وحياته بهم. ويرجع ذلك، إلى أن البشر بشكل عام “كائنات تنافسية” تميل إلى المقارنة، فمقارنة الذات مع الآخرين تضعك تحت ضغط عصبي، يقودك إلى التعاسة، والإحباط، وقتل الثقة بالنفس، والتمرد على أوضاعك سواء في الحياة أو العمل.

لذلك، حرص “النحاس” على تقديم عدة نصائح للتخلص من هذا الإدمان، أو ما يُسمى “الاستخدام الآمن” للمواقع التواصل الاجتماعي:

•تنظيم الوقت، ووضع جدول زمني محدّد للتصفح.

•أعط أولوياتك للحياة الاجتماعية الواقعية عن طريق :
*قضاء مزيد من الوقت مع العائلة والأصدقاء، وعدم استخدام الهاتف اثناء تلك الجلسة.
*والتقليل من الأصدقاء الافتراضيين.

•تَعلّم شيء جديد، كتعلم لغة جديدة، قراءة كتاب جديد،
ممارسة بعض التمارين الرياضية، بجانب مزاولة هواية مثل: الموسيقى أو الرسم مهم جدًّا للتخلص من الإدمان على العالم الافتراضي، أو غيرها من الأنشطة المفيدة.

وحذر “النحاس” من علاقات “السوشيال ميديا” التي تقوم على مبدأ وهمي وهو “الشات” الذي لا يستطيع نقل أي شعور أو مصداقية في الحوار، فأكثر الناس خلف الشاشات مزيفين لا يستعملون شخصيتهم الحقيقة لكي يظهروا بصور خلاف الواقع.

*تنشأة الطفل في بيئة سويّة بعيدة عن السوشيال ميديا:

– قال “النحاس” أن بعض الآباء والأمهات يلجأون إلى إعطاء أطفالهم هواتفهم النقالة أو التابلت لإلهائه باللّعب لفترات طويلة، حتَّى ينتهي الأب والأم من مهام المنزل أو العمل، وللأسف ينعكس ذلك على الطفل سلبًا فينتقل من العيش في العالم الحقيقي إلى العالم الافتراضي.

وهذا خطأ فادح يقع فيه الآباء، لأن استخدام الهواتف في أعمار صغيرة قد يؤدى إلى حدوث إدمان مبكر يؤثر على مهارات الطفل الذهنية، والنفسية. بالإضافة إلى، انتشار السلوكيات السلبية التي يكتسبها الطفل، والآراء الخاطئة أحيانًا التي تؤثر بالسلب على تكوين عقلية الطفل. وتؤدي إلى تأخر دراسي، وقلة في الاستيعاب والتركيز، بجانب فقدان مهارات الكتابة، والإنطواء، وإعاقة التواصل عبر العالم الحقيقي.

-لذلك، نوّه “النحاس” عن بعض النصائح التي يتبعها الآباء لحماية أطفالهم من إدمان السوشيال ميديا :-

• لغة الحوار بين الآباء والأبناء هامة جدًّا، عليكم خَلق أحاديث مع أطفالكم، ومشاركة اهتماماتهم، لتعرف على مواهبهم ومهاراتهم المختلفة ثم القيام بتوظيفها بعيدًا عن الشاشات الإلكترونية.

•تحديد وقت استخدام الطفل للإنترنت يجب الاتفاق مع الطفل على أوقات محددة يُمكنه فيها استخدام الإنترنت والتعامل مع هذه الأوقات بصرامة بحيث لا يجوز للطفل تجاوزها أبدًا.

•لا بدّ من وجود رقابة للأهل على أطفالهم خلال استخدامهم للإنترنت، ولكن لا يجب أن يشعر الطفل بأنه مراقب طوال الوقت ممّا سيؤثّر على علاقته بأوبويه سلبًا ويسبب له ضررًا نفسيًا.

•الحديث مع الطفل عن استخدام الإنترنت يُنصح الآباء بالحديث مع أطفالهم بكلّ صراحة عند البدء باستخدامهم الإنترنت حول ما يُمكن أن يقرؤه الطفل أو تحذيره من أيّ محتوى غير مناسب لسنّه.

•من الضروري أيضًا، متابعة المواقع والتطبيقات التي يستخدمها، وعقد اتّفاق معه حول ما يُمكنه ممارسته على الإنترنت. بجانب تثقيفه حول أسلوب تعامله مع الآخرين عبر الإنترنت، بحيث ينتبه لتصرّفاته وتفاعله مع الآخرين وتجنّب إساءته للأشخاص.

• مشاركة الطفل في أنشطة رياضية تساعده على قضاء وقت فراغه في تعلم شيء مُفيد، وتقوية عضلاته، ونمو جسده وكذلك إفراغ طاقته بعيدًا عن شاشات الهاتف النقال.

• لا تسمحوا أبدًا باستخدام الأجهزة وقت النوم أو وقت تناول الطعام أو أثناء تجمع العائلة للحديث أو مشاهدة فيلم أو الجلوس معًا.

• ومن الضروري، أن تكونوا قدوة لأطفالكم، وأن تقللوا من استخدامكم للأجهزة الإلكترونية أيضًا أمامهم مع قضاء وقت أكبر في التفاعل الحقيقي معهم.

وفي النهاية، علينا أن نعلم جميعنا أن المشكلة الأساسية ليست في الإنترنت أو في مواقع التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما في الذين يفرطون في استخدامها بشكل كبير لذا علينا أن نكون معتدلين في استخدامها، فإذا زاد الشيء عن حده، انقلب إلى ضده، فالتوازن مطلوب في كل الأمور.

فالإنترنت دائمًا “سلاح ذو حدين” ولكن هنا سلطنا الضوء فقط على الحدّ السلبي، ولا ننكر أن له غايات مهمة وجوانب إيجابية أُخرى في شتى التعاملات والمجالات.

*الإكتئاب مرض العصر الخفي :-

-واستكمالًا للحديث عن “الإكتئاب” فقد سلطنا الأضواء في سؤالنا الثالث عن عرض مزيدًا من التفاصيل المُرتبطة بهذا المرض الخفي، فهو يشبه السّرطان لكنه سرطان النفس الذى ينهش في روح صاحبه، وقد يُؤدي بصاحبه إلى الإنتحار إلا مازال الناس يتعاملون معه بمنتهى الاستهتار، ويعتبرونه بمثابة “دلع” و”تكاسل” من صاحبه، والحقيقة إنه لعنة تدمر الكثيرين، ومن هنا سنتعرف على أعراض مرض الإكتئاب التي يتوجب على المريض حينها أن يذهب إلى طبيب نفسي ويخضع للعلاج والمتابعة ؟

-قال “النحاس” من الضروري، التعامل مع الإكتئاب على أنَّه مرض مُهم يجب احترامه، ولا يحق الاستهتار به أو التعامل بكونه دلع أو تقصير في العبادات. فنحنُ بحاجة إلى قدر من الوعي لكي نتفهم أن “مرض الإكتئاب” داء يتطلب إلى دواء، كوجع المعدة الذي تراجع فيه طبيب اخصائي في أمراض المعدة إلا أنه في مجتمعنا أكثر ما يرعب المريض النفسي هي نظرة المجتمع.

وأضاف “النحاس” أن علامات الإكتئاب تتراوح من فقدان الأمل والتعب إلى فقدان الاهتمام بالحياة، جانبًا إلى مشاعر حزن، جلد ذات شديد، الشعور بأن الشخص عديم القيمة ويصاحبه شعور بالذنب، فقدان الثقة بالنفس، وفقدان الشهية والوزن، وأحيانًا اكتساب الوزن نتيجة “الأكل العاطفي” الزائد عن الحدّ، بالإضافة إلى اضطرابات في النوم، فقدان الاهتمام بالنفس، وفقدان الطاقة والشغف، وعدم القدرة على المذاكرة أو القيام بالمهام اليومية، وأخيرًا التفكير بالانتحار.

واستطرد “النحاس” أن هناك العديد من أنواع الاكتئاب فهو يُشكل حوالي أربعين نوعًا، وإحدى أشكاله المشهورة هو “الإكتئاب التفاعلي” الذي يصيب الإنسان جراء التعرض لموقف حياتي وضغوط نفسية أو لتغييرات في كيمياء الدماغ للإنسان وهذا يرجع للجانب الوراثي.

وأشار “النحاس” أن جزء كبير من الأمراض النفسية قد يكون سببها الرئيسي عائدًا إلى “الوراثة” ، ولا يشترط أن الأمراض تورث چينيًا فقط، فأحيانًا تورث سلوكيًا مثل “الفوبيا، والمخاوف” وذكر مثالًا، كأم وأب طبعهم الخوف فذلك السلوك ينتقل للطفل فيصبح الخوفُ هو السلوك الغالب لديه. كذلك نوّه أن الأمراض العقلية هي الأكثر وراثة مثل: “الانفصام، الاضطراب الوجداني”

وأوضح “النحاس” أن هناك فرق كبير بين مرض الإكتئاب والانفصام، فالانفصام اضطراب عقلي شديد، تندرج أعراضه تحت ظهور الضلالات، ووجود معتقدات كاذبة لا تمت للواقع بصلة، بجانب الهلاوس وتتضمَن الهلاوس عادةً رؤيةَ أو سماعَ أشياء غير حقيقية، وعزلة تامة، وهذا ما جسده الفنان “أحمد حلمي” بصورة جيّدة في فيلم “آسف على الإزعاج”

ثمَّ استكمل “النحاس” حديثه عن كيفية علاج “الإكتئاب” قائلًا : عادةً ما ينطوي هذا العلاج إما على علاج بواسطة التحدّث عن طريق “جلسات كلامية” لتعديل السلوك والدعم النفسي أو على أخذ أدوية مضادة للاكتئاب أو على توليفة منهما كليهما.

وفي الختام، قد حاولنا بقدر الإمكان أن نفرز أجوبة شافية لكل من أشكلت عليه هذه التساؤلات، وتصويب بعض المفاهيم الخاطئة لدى الكثير من المواطنين بخصوص الحساسية الزائدة من زيارة الطبيب النفسي في عيادته خوفًا من نظرة المجتمع العقيمة في حق المريض النفسي.

وسيظل مجال “الطب النفسي” مجالًا مُهمًا تُرفع له القبعة في “عالم الطب” وفي عالمنا المعاصر، ويبقى على الدَّوام السَّبيل الفاعل في علاج كافةً الأمراض الجسدية وليس النفسية أو العقلية فقط. كما سيظل “الطبيب النفسي” جزء لا يتجزأ من المجتمع. “شاء مَن شاء وأبى مَن أبى”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.