طاعون الرقص في ستراسبورغ
كتبت/ هدير عصام
في صيف عام 1518، شهدت مدينة ستراسبورغ الواقعة في ما يُعرف الآن بشرق فرنسا، حادثة غريبة لم يسبق لها مثيل عُرفت فيما بعد باسم “طاعون الرقص“، ما بدأ كشخص واحد يرقص في الشوارع استمر ليصبح “فيضاناً” غريباً من الراقصين الذين انضموا إليها الناس، رقصوا بشكل هستيري ومتواصل دون توقف حتى أدى ذلك إلى وفاة العديد منهم بسبب الإجهاد والجفاف، هذه الحادثة التي بقيت لغزاً حتى يومنا هذا، أثارت دهشة السكان والمؤرخين على حد سواء، حيث تبدو وكأنها “فيضان” بشري اختفى كما ظهر.
بدأت الحادثة في يوليو 1518 عندما خرجت امرأة تُدعى فراو تروفيا إلى أحد شوارع ستراسبورغ وبدأت بالرقص دون سبب واضح لم تتوقف لعدة أيام، وبعد مرور أسبوع انضم إليها عشرات الأشخاص وخلال أسابيع قليلة ازداد عدد الراقصين ليصل إلى مئات، المثير للدهشة أن المشاركين في هذا الرقص الهستيري لم يتمكنوا من السيطرة على أنفسهم واستمروا في الحركة حتى بدأت أجسادهم تنهار من التعب والإرهاق.
توفى البعض نتيجة السكتات القلبية أو الجفاف أو الإجهاد المفرط بالرغم من محاولات المسؤولين المحليين لوقف هذا “الفيضان” البشري، بما في ذلك دعوة الموسيقيين ظناً أن الموسيقى قد تساعد في السيطرة على الحالة إلا أن الطاعون استمر لعدة أسابيع قبل أن يختفي بشكل غامض كما ظهر.
تفسيرات هذه الظاهرة الغامضة توالت عبر العقود، مع ظهور عدة نظريات:
1ـ الهستيريا الجماعية: يُعتقد أن طاعون الرقص قد يكون نتيجة الهستيريا الجماعية، وهي حالة نفسية تنتقل بين أفراد المجتمع تحت تأثير ضغوط اجتماعية أو دينية أو اقتصادية، في تلك الفترة كانت المنطقة تعاني من الفقر والمجاعة والأمراض، وهو ما قد يكون قد دفع الناس إلى حالة من الفقدان الجماعي للعقل.
2ـ السموم الطبيعية: تفسير آخر يركز على فكرة التسمم بفطر “الإرغوت”، وهو نوع من الفطريات التي تنمو على القمح والشعير وتحتوي على مواد مهلوسة، قد تسبب تشنجات وهلوسة ويُعتقد أن تناول هذا الفطر الملوث قد يكون قد أدى إلى تحفيز هذا السلوك الغريب.
3- الدوافع الدينية: في تلك الحقبة كان الدين له دور كبير في حياة الناس، اعتقد البعض أن الرقص الهستيري كان نوعاً من الطقوس الدينية أو الرد على غضب إلهي، وأن الراقصين كانوا يحاولون الحصول على الخلاص أو الغفران من خلال الرقص حتى الإنهاك.
كان رد فعل السلطات في ستراسبورغ في البداية هو محاولة دعم الراقصين من خلال إقامة المزيد من المساحات المفتوحة للرقص وحتى جلب الموسيقيين ظناً منهم أن الموسيقى ستساعد على تهدئة الوضع لكن هذا النهج زاد الطين بلة، وازداد عدد المشاركين في طاعون الرقص عندما أدرك المسؤولون خطورة الوضع، لجأوا إلى حلول أكثر تقليدية مثل الصلاة واستدعاء المعالجين الروحيين، لكن لم يكن أي من هذه الحلول ناجحاً.

طاعون الرقص في ستراسبورغ
ثم اختفى طاعون الرقص فجأة كما بدأ ولم تُسجل أي حوادث مماثلة بحجم ما حدث في ستراسبورغ، بينما استمر الحديث عن الحادثة لعقود بعدها، تظل الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة موضع جدل بين المؤرخين والعلماء.
وعلى الرغم من أن طاعون الرقص في ستراسبورغ هو الأشهر، إلا أن حوادث أصغر من “الرقص الهستيري” سُجلت في أجزاء أخرى من أوروبا خلال العصور الوسطى ولكن لم يصل أي منها إلى حجم وخطورة حادثة عام 1518.
ويظل طاعون الرقص في ستراسبورغ عام 1518 واحداً من أكثر الحوادث الغامضة في التاريخ الأوروبي على الرغم من مرور أكثر من خمسة قرون، لا يزال السؤال: ما الذي دفع مئات الأشخاص إلى الرقص حتى الموت؟ هل كان الأمر نتيجة الهستيريا الجماعية، التسمم، أم كان هناك عوامل أخرى غامضة؟ هذه الحادثة تذكرنا بأن بعض الأحداث في التاريخ قد تظل غامضة إلى الأبد، تتركنا نتساءل عن القوة الغامضة التي قد تقود مجموعة من الناس إلى حافة الفناء.