لماذا خلق الله الشمس؟
خلق الشمس
إنها الشمس التي تشرق كل يوم، فلا أجمل من شروقها، وتغرب فلا أحسن من غروبها، ينفعنا في البرد دفؤها، وتؤذينا في الحر أشعتها، وما هي إلا جزء يسير من خلق الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [الأنبياء: 33].
ولضخامتها وعجيب ضوئها وما فيها من آيات استعظمها أقوام فعبدوها من دون الله تعالى كما قال الهدهدُ لسليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: 23 – 24].
وأخبر الله تعالى أنها من جملة آياته الكونية المخلوقة؛ فالحق أن يعبد خالقُها من دونها ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [فصِّلت: 37].
إنَّ حركة الشمس وضوءها، وإشعاعها ودفأها، وانتظامها في سيرها، وضخامة حجمها كان ولايزال – عند البشر – مثار الدهشة، وموضع الانبهار. وما عَبَدَها مَن عَبَدَها إلا من هذا القبيل، وكانت ولاتزال حجَّةً داحضةً، وآيةً ظاهرة على عظمة خالقها جل وعلا.
أنهى إبراهيم عليه السلام بذكرها فصول المناظرة، وقطع حجج المخاصمة، ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ [البقرة: 258] ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾. [الأنعام: 78 – 79]
وكثير من الكفَّار يعلمون أنَّ الشَّمس من خلق الله تعالى وما منعهم من عبادته إلا الكبر والعناد ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾ [العنكبوت: 61].
والشمس لم تتكبر على خالقها، كما تكبر بعض البشر على الرغم من عظمتها وضخامتها؛ فهي تسبح الله تعالى ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء: 44]، وتسجد له سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ﴾ [الحج: 18]، وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس: ((أتدري أين تذهب))؟ قال: قلت: “الله ورسوله أعلم”. قال: ((فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويُوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلعُ من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ [يس: 38])).
ومن عجيب شأنها أنها لا تكاد تغرب على جزء من الأرض إلا وتشرق على جزءٍ آخر، ففي كل لحظة لها مشرق ومغرب؛ ولذلك أخبر الله تعالى أن لها مشارق ومغارب متعددة ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ [المعارج: 40 – 41].
وعلى الرغم من عظمتها، وضخامة حجمها فإن الله تعالى جعلها مسخرة لخدمة هذا الإنسان الضعيف، الذي أولاه الله كل هذا التكريم ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ [النحل: 12] ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 33 – 34].
وهذا التسخير من الله تعالى جعل فيها من الفوائد والمنافع ما لا يعد ولا يحصى، فالوقت إنما ضُبِط على ضوء حركتها، فغروبها ليل، وشروقها نهار. وأوقات الصلوات عرفت بالظل وهي سببه ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾ [الفرقان: 45].
تضيء النهار، وتبددُ الظلام، وتستيقظ على شروقها الأحياء في الأرض، من إنسان وطير وحيوان؛ فتسعى في رزقها، وتكتسبُ قوتها، وتعمُّ الحركة أرجاء الأرض على ضوئها ونورها. فإذا غربت خيم الظلام، وعم السبات، وخلدت الأحياء إلى الراحة استعدادًا ليوم جديد.
أرأيتم لو أنها أمسكت عن المغيب فلم تغب، كيف يرتاح الأحياء على الأرض؟! وكيف ينامون؟ ولو أمسكت عن الشروق فلم تشرق، كيف يعملون ويكتسبون؟ ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[القصص: 72 – 73].
ولولا خلقُ الله تعالى الشمسَ، وتسخيرُها لنفع الأرض لما انتظمت الحياة فيها على هذا النظام البديع، فمن جرَّاء الشمس تحدثُ ظواهرُ في الأرض من تبخير المياه، وتحريك الرياح؛ مما يسبب هطول الأمطار وانتفاع الأرض، وبث الحياة فيها.
والحبوبُ والثمار والنبات تنضج بتأثيرها، وتستمد طاقتها من حرارتها، وتنتقل هذه الطاقة إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان عبر سلسلة غذائية منتظمة. وتحرق الشمس بحرارتها ما لا يعلم من الفطريات والجراثيم، التي لولاها لانتشرت الأمراض والأوبئة فلا يبقى على الأرض حياة.
وحرارة الشمس تذكر العبد ضعفه وعجزه فلا يتكبر على عبادة الله وطاعته. خلقها الله تعالى وقدرها؛ فجعل مسافتها إلى الأرض تناسب إقامة الحياة على الأرض وعمارتها، فلو كانت أقرب مما هي عليه لأحرقت الأرض ومن عليها، ولو كانت أبعد لتجمدت الأرض ومن عليها ويظهر ذلك جليًّا للإنسان في شدة البرد وشدة الحر مع عدم خروج الشمس من فلكها، أو تخلخلها عن مدارها، فالله تعالى خلقها وقدر بعدها وقربها بما يجعلها مسخرة لخدمة أهل الأرض ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 38 – 40].
نعم والله إنه تقدير العزيز العليم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 5].
كان تلك أجزاء من أخبار الشمس ومنافعها ومصيرها، تلك الشمس التي يهرب الناسُ من شدَّة حرها في الصيف، فهلا تذكَّرُوا حرارتها في الموقف حين تستخرج العرق من أجساد العباد، فتسيله في الأرض حتى يبلغ الآذان والأفواه! وهلا تذكَّروا ما هو أعظم من ذلك: حرارة جهنم، التي لا تقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ ﴾ [النساء: 56].
إن حرَّ الدنيا يذكِّرُ بحرِّ الآخرة، وإن لهب الشمس اللافح يذكر بلهبها في عرصات القيامة، ولن ينجي من حرِّ ذلك اليوم سفرٌ ولا سياحة، ولن يُطفئ لهبَه تبريدٌ ولا ماء.
نعم! إنه لن ينجيَ من حرِّ ذلك اليوم، ولهبِ شمسه، ثم زفرة ناره إلا الإيمان والعملُ الصالح، والأخذ بالأسباب التي تجعلُ العبد في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظلُه. وويل لمن كان في الدنيا منَعَّمًا. وفي الآخرة معذبًا، فاتقوا الله وأطيعوه، واحذروا الأسباب الموجبة للنار وشدة الحساب، فالسعيد من نجا في الآخرة. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد بن عبدالله…
وأما مصير الشمس بعد انتهاء العالم، وانقضاء الدنيا، فإنها تُكَوَّر وتصاحب القمر إلى نار جهنم، كما أخبر الله عن تكويرها في القرآن، وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الشمس والقمر مُكوَّران يوم القيامة))، وفي رواية للطحاوي والبزار: ((الشمس والقمر ثوران يكوران في النار يوم القيامة))، فقال الحسن: “وما ذنبهما؟” فقال أبو سلمة: “أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: وما ذنبهما”؟! وفي حديث أنس عند أبي يعلى أن الحكمة من ذلك ((ليراهما من عبدهما))، قال الخطابي: “ليس المرادُ بكونهما في النار تعذيبهما بذلك؛ ولكنه تبكيتٌ لمن كان يعبدُهما في الدنيا؛ ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً”، وقيل: “إنهما من النار فأعيدا فيها، وقال الإسماعيلي: “لا يلزمُ من جعلهما في النار تعذيبهما؛ فإن لله – تعالى في النار – ملائكة وحجارةً وغيرها؛ لتكون لأهل النار عذابًا وآلةً من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة”.