كتبت: ليلى إمام
د.هاني سعيد إبراهيم … أستاذ مساعد الكيمياء الصيدلية بكلية الصيدلة بالجامعة المصرية الروسية … حاصل على درجة الدكتوراة من كلية الصيدلة جامعة القاهرة … حاليا زميل منحة ألكساندر فون هومبولدت بجامعة مارتن لوثر بألمانيا … له العديد من الأبحاث المنشورة في مجلات دولية في مجال علاج السرطان وكذلك محكم ومراجع في كثير من المجلات العلمية التخصصية.
(الطريق إلى النور)
الله سبحانه وتعالى وصف نفسه في كتابه العزيز ” الله نور السماوات والأرض” ، وفي نفس الآية ” نورعلى نور” حتى أن السورة كلها سميت بسورة النور…… لماذا اختار الله سبحانه وتعالى لفظة النور؟ ….. هيا لنتأمل بعض الأحداث ،ونربطها ببعض لعل فهم المزيد يجعلنا ندرك عظمة التشبيه الإلهي والإختيار الدقيق لهذه الكلمة.
سوف نحاول أن نفهم كيف أن هذه الطبيعة النورانية تجعلنا نتخيل أن الله محيط بكل شئ، وقريب من كل شئ كما أخبرنا في قوله ” ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” ، وكذلك هذه الطبيعة تتيح للملائكة القرب من كل شئ لتسجيل الأعمال ، كما ورد في قوله “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”.
لكي نتأمل هذا الكلام، ونحاول أن نعرف طريق النور، وماهي الحكمة من اختيار هذه الكلمات للتعبير عن الذات الإلاهية، وكل ما يقرب لها … هيا نتأمل في بعض الأحداث العلمية حولنا لنرى ما حول النور الذي هو خلق من خلق الله، فما بالنا بالخالق سبحانه وتعالى.
على أبعد المستويات في المجرات والأكوان … سرعة الضوء والسنين الضوئية هي الحاكمة في التنقلات .. النور الذي يأتي إلينا من النجوم والمجرات هو الذي يعرفنا بها .. رغم معرفتنا بأنها صورة قديمة من آلاف السنين الضوئية، وأن ما وراء هذا الضوء حاليا ممكن أن يكون حاليا غير موجود.
لكي تتنقل بين المجرات والأكوان يجب أن تجد ما ينقلك بسرعة الضوء …. وقد أكد القرآن على هذا في قوله ” يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا” … لاحظوا هنا أن الله قد أدرج الجن في هذا الأمر .. والمذكور عن طبيعة خلقهم أنهم من نار، لذلك هذه القدرة على الإحاطة الواسعة بملكوت السماوات والأرض ليست من صفاتهم … بل هم أضعف من ذلك بكثير … لدرجة أن الله سخر لسيدنا سليمان – وهو من البشر- التحكم في الجن والإستفادة من قدراتهم .. وكذلك أخبر أنهم لا يعرفون الغيب لعدم قدرتهم على إختراق حاجز الزمن لطبيعة خلقهم من النار ….. وحين حاول أحدهم إحضار عرش بلقيس قام باستعراض قدرته لسيدنا سليمان على ذلك في فترة زمنية ترتقي لثوان معدودة لكنها في الحقيقة أقل بكثير من سرعة الضوء … لكن على الجانب الآخر هناك من تمكن عن طريق علم الكتاب قدرته على تنفيذ هذا في وقت يقترب من سرعة الضوء ألا وهو طرفة العين … ربما علم الكتاب مكنه من اختراق حاجز الزمن عن طريق طبيعة نورانية تمكن له إختراق حواجز لا يمكن تخيلها.
وعلى صعيد آخر … حين نتناول قوة الضوء في الإكتشاف والمعرفة على أصغر مستوى في الذرات والجزيئات نجد أن السرعة الضوء هو الطريق لإكتشاف أسرار أصغر المواد ….. وعلى سبيل المثال هذا يمكن تفصيله في معرفة أسرار المركبات متناهية الصغر حين يتم بلورتها في شكل كريستالات، ثم بعد ذلك لكي تعرف ما بداخل هذه الكريستالات يجب تعريضها لحزم ضوئية بتردد موجي عالي جدا لكي تخترق الكريستالات المكونة من المواد الكيميائية أو البروتينات لتعرف تركيباتها الدقيقة بالتفصيل …… يتم توليد هذه الحزمة بهذه الخصائص عن طريق تسريع الإلكترونات بسرعة تكاد تكون هي سرعة الضوء في جهاز مسرع الإلكترونات، والمسمى سينكروترون … هذه الحزمة الضوئية قادرة على اختراق الكريستالات دون إحداث أدنى شرخ بجدارها، ورغم ذلك يتم كشف أسرار ما بداخل هذه الكريستالات.
مما سبق ذكره نجد أنَ تأثير النور في المعرفة كبير خصوصاَ مع وجوده بسرعة هائلة في المعرفة على المستوى الكوني (أكبر المستويات) وعلى المستوى الذري ( أصغر المستويات).
كذلك أكد الحديث الشريف أن الملائكة خلقت من نور …. وأن من أحد أدوارها تبليغ الرسالة للرسل .. إذن فهي الوسيط بين أبعاد تحتاج فيها لهذه الطبيعة النورانية في الخلق ….. من خلال ربط الأحداث تبين لنا حكمة الخالق في خلق الملائكة من النور وليس من أي مادة أخرى مثل خلق الجن من النار.
ماذا بعد سرعة الضوء؟ … أي حين يكون هناك قدرة كبيرة تجعل الأجسام تتحرك بسرعة أعلى من سرعة الضوء … إفتراضات الفيزياء الكونية افترضت أن إختراق حاجز سرعة الضوء يجعلك تخترق حاجز الزمن … ترتقي فوق الزمن … تستطيع الرجوع إلى الوراء أو التقدم للأمام في الزمن .. هذا ما حدث للنبي الكريم في رحلة الإسراء والمعراج … لذلك تمكن من رؤى مستقبلية … أخبرتنا بها السنة وقد تحقق جزء منها في العصور المتقدمة.
هذا على مستوى الخلق فما بالنا بالخالق؟ .. ” نور على نور” … الآن نستطيع أن نستشعر كيف أحاط بكل شئ علما وأحصى بكل شئ عددا .. فالقدرة على معرفة الكون من أكبر ما فيه لأصغر ما فيه يمكن الوصول إليها بقوة الضوء وسرعته والذي هو مخلوق من مخلوقات الله.
لذلك نحن الآن بهذه الحقائق .. نستطيع أن نؤمن بقدرة الله – الذي وصف نفسه بنور السماوات والأرض – على معرفة كل التفاصيل من أصغرها لأكبرها بمنتهى الدقة، ووصف كم هذه المعرفة الإلهية ومدي قدرة الإحاطة ينضب عندها كلمات ربي حتى لو كان البحر مدادا لها.
لكي تتعمق في الإيمان تحتاج لإرتقاء الروح، كي تستطيع أن تخترق حاجز النور … تحتاج أن تكون أسرع من الضوء لكي تكون كائن نوراني … تستشعر ما غاب عنك في الأبعاد النورانية.
لكي تتخيل ذلك … تريد أن نضرب مثالا للحظة من اللحظات في حياتنا، والتي تستطيع أن تتخيل أنك اقتربت منها من حاجز النور …..عندما تنام وتحلم … عندها تجد نفسك ترى قصة كبيرة وتتذكرها جيدا … لكن الفترة الحقيقية لهذه القصة تكون أقصر مما يتخيل الإنسان . …. كيف حدث ذلك؟! … هل الجسد يستطيع هذا أثناء النوم؟! .. بالطبع إنها الروح ذو الطبيعة التى لا نستطيع أن نتحسسها بالطرق العلمية، والتى هي من الله وممكن أن يكون لها طبيعة تمكن لها أن تقترب من هذا الحاجز…. في هذه اللحظات القصيرة أثناء الحلم .. ممكن أن تشعر بكل شئ تتخيله لدرجة أن الجسد ينتفض من التأثر في بعض الأحيان.
لذلك أخبرنا الله عز وجل بأن النوم يعتبر موتة صغرى في الآية ” الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها” حيث يتم تحرير الروح من الجسد لتخترق عوالم أخري فوق حاجز الزمن.. كما أخبرنا النبي أن الرؤيا الصالحة هي علامة من علامات النبوة … هى طريقة من طرق التواصل مع البعد الإلهي …. فوق حواجز الزمن.
لذلك نجد بعد الموت … ترتقي الروح إلى عالم آخر … ترى الروح الحقيقة … تدخل عالم النور وترى ما حجب عنا بكل التفاصيل … بعد آخر لا يمكن فعلا تخيله … ومن خلال السرد السابق نستطيع أن نقتنع الآن لماذا لا نستطيع تخيله.
وكذلك نستطيع أن نجيب أن بشكل علمي على السؤال المتكرر من كثير من الملحدين، ألا وهو؛ لماذا لا نستطيع رؤية الله؟ … الإجابة التى أوردها القرآن في موقف سيدنا موسى هي التي سوف أحاول تفسيرها الآن وأزيد عليها بفهم الأحداث التي تم سردها سابقا …. دعونا نتذكر المشهد القرآني عندما طلب سيدنا موسى من الله عز وجل رؤيته عيانا … أجاب الله عز وجل بأن موسى لا يستطيع ذلك …. لكي يجعل الله سبحانه وتعالى نبيه موسى يستشعر ذلك .. تجلى الله عز وجل للجبل فدك تماما…. قرأت تفسير كلمة تجلى في آية ” فلما تجلى ربه للجبل” ولكن حقيقةً تعجز أي لغة، أو أي كلمة فعلا عن تفسير أو شرح هذه الكلمة لإرتباطها بالذات الإلهية، وفعلا من خلال ما تناولناه .. أصبحنا مقتنعين بأننا نتحدث عن أبعاد مختلفة ومعقدة وهذه الكلمة ما هي إلا وسيلة لغوية لكن لا يمكننا أن نستشعر قوة المعنى الحقيقي، ومدى عظمته.
بالنسبة لإجابتي بطريقة علمية عن سؤال: لماذا لا نستطيع رؤية الله عز وجل؟ سوف أحاول تقريب الصورة … فلكي نستطيع معاً أن نستشعر الإجابة؛ يجب علينا أولا أن نجيب على هذين السؤالين ؛ أولا هل عندنا القدرة على تحمل الطاقة الرهيبة الناتجة عن الإشعاعات الناتجة عن تولد طاقة إلكترونات مسرعة لتوليد حزمة ضوئية؟ .. ثانيا هل تتحمل أجسادنا أن تسافر بسرعة الضوء؟ .. هذان شرطان للوصول لحقيقة العلم الذي يستطيع النور – والذي هو من خلق الله- أن نحاكيه ….. أظن من الإجابة التي كلنا نعرفها بالمنطق نستطيع أن ندرك حقيقة ضعفنا وكيف أننا في صورتنا الحالية لا نستطيع رؤية الله سبحانه وتعالى … لكن الله سبحانه وتعالى وعدنا في الجنة بتغيير طبيعة أجسادنا وتكون مهيئة للتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.
هناك نقطة أخري يجب أن نذكرها ختاما، لكي نكمل الصورة وما الذي يمكن الإستفادة منه نتيجة هذه المعرفة …. أظن الآن أن الإرتقاء بالإيمان بالله يحتاج إختراق روحي لحاجز النور … لكي تتواصل الروح مع الله، فهي تحتاج لدفعة تجعلها في أبعاد مختلفة، لكي تصل إلى درجة الإحسان – هي طبقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع سيدنا جبريل أعلى درجات الإيمان – فنحن نحتاج إلى عبادة أهداها الله لنا من هذا البعد الإلهي …. وهنا نتأمل في عبادة الصلاة والتي فرضت على المسلمين في مكان مقدس خارج حاجز الزمن … هي النور التي أنزله الله مع الرسول كما ذكرت في القرآن والحديث النبوي يؤكد هذا التفسير حيث أنه يخبرنا بأن الصلاة نور …. فهي الوقود التى يدفع الروح كي تسير بسرعة النور إلى خالقها … لا تسقط عن الفرد بأي حال … هي العبادة المستمرة يوميا … هي الوقود للروح لوصول سرعات لا يتخيلها أحد …
هنا لن نتكلم مع تارك الصلاة، أو من يؤديها حركات فقط دون خشوع ما حكمه … ليس هذا موضع النقاش تماما لأننا هنا بصدد شحن الشغف للتواصل مع الله بطريقة أفضل ….. من المكان التي نشأت منه الصلاة، نستطيع أن نقول أنها الوقود الذي سوف يطلق لنا العنان لإختراق حواجز لم يكن يتخيلها أحد. وعلينا أن ندرك أن المحاولة للإستفادة من الوقود الروحى للصلاة، لكي تذهب الروح إلى درجات مرتفعة هي رحلة حياة ليست من مرة أو إثنان …. هي الرحلة التي نحاول أن ندركها، ولو مرة واحدة في العمر … هي الرحلة التى نتمنى منها الوصول إلى ما وصل إليه النبي في السماوات العلى … هي الطريق إلى النور.