كتب/مصطفى جاد
هو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي المعروف بإبن بطوطة، رحّالة عربيّ مسلم، ولد عام 703 هجرية الموافق 1304م في مدينة طنجة إحدى مدن الشمال الإفريقي فنُسب إليها، وعُرف في بلاد الشرق بإسم “شمس الدين بن محمد بن عبد الله بن ابن بطوطة”، يعود نسبه إلى قبيلة لواتة إحدى قبائل البربر أمّا الأهرام فيذكر ابن بطوطة أنها من عجائب هذه الدنيا. أما عن لقبه “ابن بطوطة” فهي عادة معروفة في قارّة أفريقيا؛ حيث تُنسب فيها بعض الأسر إلى أمهاتهم. وقد نسبت عائلة ابن بطوطة لسيدة كانت تحمل إسم فاطمة فتحوّل إسمها إلى بطة، هو اسم دلال ودلع ومن ثم أصبح بطوطة، وينتمي ابن بطوطة لعائلة كان معظم أفرادها يعملون في القضاء، وهي من العوائل التي تنتمي للمذهب المالكيّ الذي كان سائدًا في شمال أفريقيا، وقد تعلّمَ ابن بطوطة شيئًا من علوم الدين كغيره ممّن ينتمون إلى الطبقة الإجتماعية المتوسطة.ومن ثم تولّى القضاء لمدّة خمس سنوات، ثم تركها ليتوجه في رحلة جديدة بإتجاه الصين التي تولّى فيها القضاء مدة ثلاث سنوات وجزر المالديف. وبعد عودته إلى المغرب أمره سلطان فاس أبو عنان المريني أن يقوم بكتابة أخبار رحلاته الكثيرة، وعيّن له كاتبًا يساعده في هذا الأمر هو ابن جزي الكلبي. سبب بداية رحلات ابن بطوطة على غرار أفراد الأسرة سعى والد عبد الله بن محمد المعروف بابن بطوطة أن ينخرط إبنه في العمل بالقضاء، ولكن يبدو أنّ هذا الأمر لم يكن الهدف الأول لابن بطوطة، بعد أن بلغ سن الحادي والعشرين وإستكمل دراسته في الفقه والأدب ولرغبته في الحج وزيارة بيت الله الحرام، قرّر أن يقوم بهذه الرحلة، وهي رحلة بدأت في شهر رجب سنة 725 هجرية وإنتهت بوصوله مدينة فاس في ذي الحجة سنة 754 هجرية؛ أي أنّها رحلة أستغرقت ما يقارب تسعة وعشرين عامًا ونصف العام تقريبًا كان لدى ابن بطوطة الكثير من الأسفار في الدول والأمصار؛ إذ كانت لديه رغبة في التجوال والتعرُّف على ما يجعله من أخبار الشعوب وعاداتها وتقاليدها، ولعلّ تلك الرغبة كانت السبب وراء أن تدوم رحلاته سنوات طويلة جاب فيها الشرق والغرب، ووصل إلى مدن لم يكن غيره قد وصل إليها من قبل. الرحلة الأولى لأداء الحج كان خروج ابن بطوطة من مدينة طنجة مسقط رأسه في الثاني من شهر رجب عام 725 هجرية قاصدًا بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وكان حينها ما يزال شابًّا في بداية العشرينيات من عمره، وبعد رحلة طويلة وشاقة وصل ابن بطوطة إلى طيبة مدينة رسولنا الكريم فصلّى في الروضة الشريفة، وبعد أن أكمل الزيارة توجّه إلى مدينة مكة المعظّمة التي وصفها بأنّها تلك المدينة الكبيرة المستطيلة الشكل، والتي تقع في بطن وادي تحفه الجبال من كل جهة. أمّا المسجد الحرام فيقع في وسط المدينة، وهو مُتّسع المساحة، والكعبة المشرفة في وسطه ومنظرها بديع وجميل، فوصف كلّ ركن فيها وصفًا دقيقًا، كما ذكر جميع الأماكن المقدسة التي تحيط بها وأبوابها وأركانها، ولم ينسَ ذكر فضائل أهل مكة ومحاسنهم وعاداتهم في إستقبال الشهور وفي الحج والصوم والعمرة وغيرها من الأمور الكثيرة، وقام ابن بطوطة برحلة إلى العراق وبلاد فارس ومصر زار فيها الكثير من المدن في تلك البلدان، وشهد فيها الكثير من أحوال الناس وعاداتها ، فكان كلّما نزل في مدينة أخذ يصف حالها وكيف هي أمورها، ثم يصف الناس فيها فيُشير إلى صفاتهم وخصائهم، ومن تلك المدن مدينة واسط؛ حيث وصفها بحسن المظهر وجوّها الجميل وكثرة البساتين، وأنّ أهلها من الأخيار وأكثرهم من الحافظين لكتاب القرآن ويجيدون تجويده، وإليهم يأتي الناس من كل مكان للتعلّم. كما زار مدينة البصرة الفيحاء وهي من مدن العراق الكبرى، وفيها يقع مسجد كبير هو مسجد الإمام علي بن أبي طالب، كما زار الكوفة وبغداد والموصل. كما زار ابن بطوطة كذلك الكثير من المدن في بلاد فارس، ومنها مدينة شيراز وهي مدينة جميلة وواسعة الأرجاء، وتمتاز بكثرة البساتين والأنهار المتدفقة، وفيها العديد من المباني، وتمتاز المدينة بالمباني ذات العمارة المتقنة، وفيها الكثير من المساجد، ومن أكبر تلك المسجد “المسجد العتيق” ويتميز ببنائه الجميل والمتقن. ووصل ابن بطوطة عام 1326م إلى مدينة الإسكندرية إحدى أجمل مدن مصر، وتمتاز ببنائها الحسن، وللمدينة أربعة أبواب هي: باب السدة وباب رشيد وباب البحر والباب الأخضر، ثم زار بعض المدن الساحلية مثل دمياط وسمنود وغيرها من المدن الأخرى، كما زار مصر وهي أم البلاد ومن المدن الجميلة التي تتميز بمبانيها والشوارع الكبيرة. كما وصف نهر النيل بأنّه من أفضل الأنهار عذوبة وهو عظيم المنفعة للكثير من الناس، أمّا الأهرام فيذكر ابن بطوطة أنها من عجائب هذه الدنيا ولا يوجد لها مثيل في جمال البناء وعظمته. و زار ابن بطوطة ايضًا اليمن مع شخص كان قد عيّنه معه الشيخ الفقيه أبو الحسن الزيلعي، فقصدا قاضي القضاة الإمام صفي الدين الطبري المكي وأقام في داره ثلاثة أيام، وخلال تلك الفترة زار ابن بطوطة مع القاضي الطبري سلطان اليمن وحضر مجلسه وأكرمه السلطان بالكثير من النعم، ثم زار مدينة صنعاء وهي قاعدة بلاد اليمن الأولى ومدينة كبيرة حسنة العمارة، بناؤها بالآجر والجص. وتمتاز بكثرة الأشجار والفاكهة والزرع ومناخها معتدل في الصيف والشتاء. كماسافر ايضًا ابن بطوطة جنوبًا على طول ساحل شرق إفريقيا من عدن إلى مقديشو وكان أول وصوله إلى مدينة زيلا؛ حيث وصف سكانها من ذوي البشرة الداكنة وهم مسلمون من اتباع الإمام الشافعي، كانوا يعملون برعي الجمال والأغنام وهي مدينة معزولة ليس لها الكثير من العلاقات مع المدن الأخرى ولها سوق رائع، ومنها سافر إلى مقديشو واستغرقت وقتًا طويلًا. وقد وصف ابن بطوطة مقديشو أنّها من المدن الكبيرة . كما زار ابن بطوطة الكثير من مدن المغرب منها: مدينة تازي وهي تلك المدينة التي تلقى فيها خبر وفاة والدته بالوباء، ثم سافر إلى مدينة فاس وهناك التقى بالمالك المعظم أبي عنان، وكان من أكثر الملوك حسنًا وجمالًا وأخلاقًا وشجاعة، وكان مُتديّنًا بشكل كبير وذا علم غزير، و زار ابن بطوطة مملكة مالي وقد وصف الكثير من الأمور في تلك المملكة، إذ بدأ من ملوكها وسلاطينها انتهاءً بأحوال البيئة والشعوب والشخصيات البارزة، وقد تحدث عن كل صغيرة وكبيرة شاهدها، فلم يعتمد على البحث والتقصي لمجريات الأحداث التي تعرض لها، إنّما نقلها كيفما رآها، وقد قام الرحالة ابن بطوطة بزيارة مملكة مالي في الربع الأول من القرن الرابع عشر؛ أي في عام 753 هجرية الموافق 1353 م في عهد السلطان سليمان إمبراطور مالي، وإستغرقت الرحلة إلى هذه البلاد مدة عشرة أشهر تقريبًا،و لم يترك ابن بطوطة أيّة مؤلفات بإستثناء كتاب رحلة ابن بطوطة تُحفة النظار في غراب الأمصار وعجائب الأسفار، وهو المؤلف الوحيد التي دوّنَ فيه جميع أخبار رحلاته التي قام بها لمختلف الدول والأمصار، وقد ساعده في ذلك كتاب يُدعى ابن جزي الكلبي الذي عيّنه سلطان فاس أبو عنان المريني ليُساعده في الإعداد والكتابة لهذا الكتاب الوحيد. لا يعرف الكثير عن ابن بطوطة بعد الإنتهاء من رحلته في المدن والأمصار والقيام بتدوينها مع ابن جزي، ومع ذلك فقد أجمعَ الكثير من المؤرخين أنّ ابن بطوطة فضّلَ أن يتولى القضاء في الدولة المرينية لما تبقى من حياته، وأنّه عاش جوادًا محسنًا لجميع مَن حوله، وتوفي ابن بطوطة في عام 779 هجرية الموافق 1377م ،وكان لابن بطوطة الفضل الأكبر في خروج هذا الزاد المعرفيّ الذي يحمل ثقافات الشعوب ومختلف الأنظمة الإجتماعية، إذ أسهمَ في إثراء المكتبة العربية فيما يتعلق بكتب التاريخ والجغرافيا، فلولا قيامه بتلك الرحلة العظيمة لما تمكنّا من معرفة أخبار السلف في مختلف دول العالم.