الغراب الأسود وعلاقته بالحظ السيئ
كتبت : رحمه غريب عبد الخالق
كثيراً ما نخلط ما بين الغراب الزاغ والغداف، لكن عمومًا تنظر الناس إلى الغربان على أنّها تمثيل للحظّ السيّء. مع ذلك فهذا لا يمثّل معاني رمزيّة الغراب في كلّ العالم. في أغلب تراث العالم، ترمز الغربان إلى التحوّل والتغيير. فهي مخلوقات يقظة نبيهة ولديها نظر حاد وقوي. إذا حدث ومررت بغراب، وخفت من حضوره وتشاءمت بسلبيّة، تذكّر أنّ السلبيّة هنا هي واحدة من العديد من النتائج المحتملة لتأثير الغراب. يمكنك التحكّم بمشاعرك وتغيير التشاؤم إلى تفاؤل وإذ ذاك تتحوّل المشاعر السيّئة إلى دوافع للبصيرة وإلى مشاعر موجبة.
الغراب الأسود وعلاقته بالحظ السيئ
يتأثّر العرب إلى اليوم بأسطورة غراب البين التي تعود إلى أيّام الدولة السلوقية وعبادة هيرا في العراق في العهد الهيليني حتّى صارت تقول الناس “وجهة بيقطع الرزق مثل غراب البين”… وكانت هيرا رسولة زِوس (داگون) توقع بين المتزوّجين وتثير المشاكل في الأسرة كعقاب على ذنوب أحد الزوجين. وكانت ترسل سحرها لزرع البَيْنُ مع الغربان والقطط السود، فكانت الناس تتشاءم من الغراب وتسمّيه غراب البين أي غراب الفرقة، لأنّه وبحسب الأسطورة لا يظهر إلا إذا حمل رسائل البَيْنُ من هيرا التي كانت تنزّل أوامرها مع قوس قزح للتفريق ما بين المتزوّجين أو الشركاء أو قطع الأرزاق.
الغراب في الإسلام
في التراث الإسلامي نجد فريقين، أحدهم يشجّع على قتل الغراب ويسابق في كراهيته، والثاني يدافع أن التشاؤم بالغراب من أعمال الجاهلية وأنّ الإسلام خلّصنا منها، ووصل بحدّ كراهيّة الغراب إلى الكفر.
الغراب الأسود وعلاقته بالحظ السيئ
ففي حديث مقتطف عن رسول الإسلام ومنقول على لسان عائشة قولها: “خمس من الدواب كلهنَّ فاسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور”. وبهذا قال بعض أئمّة الإسلام بأنّ الغراب من الفواسق التي تُقتل في الحل والإحرام لأنّها من النجاسة. ثم قال طرح التثريب في شرح التقريب [جـ5 صـ56]: “فظهر بذلك أن مذاهب الأئّمة الأربعة متّفقة على أنّه يستثنى من الأمر بقتل الغراب غراب الزرع خاصة، فأمّا أن يكونوا اعتمدوا التقييد الذي في حديث عائشة بالأبقع وألحقوا به ما في معناه في الأذى وأكل الجيف وهو الغداف، وإمّا أن يكونوا أخذوا بالروايات المطلقة وجعلوا التقييد بالأبقع لغلبته لا لاختصاص الحكم به وأخرجوا عن ذلك غراب الزرع وهو الزاغ لحلّ أكله فهو مستثنى بدليل منفصل” وبهذا خرج فريق ميّز ما بين الغداف والزاغ، فصار المكروه في الإسلام هو الغداف فقط (القاق) وأمّا الزاغ فقرّبه المسلمون إلى درجة حلّ أكله.
وبينما يعرّف فريق من المسلمين الغراب بأحد الفواسق التي جيب قتّلها في كلّ الأحوال في الحل والحرم، يأتي فريق ثان ويرى أنّ الغربان هي منظّفات للأرض. ويحاجج بآية من القرآن فيها: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” {القمر:49} ما يتعارض تماماً مع طرح الحديث المنقول على لسان عائشة. وذكر البغوي في التفسير عن كعب الأحبار: أنّ سليمان قال: والغراب يدعو على العشار، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله. ثمّ ذكر ابن حجر في الفتح أن التشاؤم بالغراب والاستدلال بنعابه على الشر والخير من أعمال الجاهلية فأبطله الإسلام. ثمّ وصل الفكر بهذه الطائفة أن اعتبرت كراهة الغراب والتشاؤم به من الكفر إذ وقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر. انتهى، والعقعق نوع من الغربان نسمّيه بالقاق.
أخيراً يستشهد القرآن بالغراب أنّه مصدر من مصادر تعليم الإنسان آداب الحياة وأقتبس هنا آيتين من سورة المائدة: “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ * قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ”. وكان هكذا قابيل أعجز من الغراب في التفكير في دفن الميّت، وتقول الآداب الإسلامية أنّ الله أرسل الغراب برسالة ليعلّم قابيل حسن التصرّف، فصار الغراب هنا من رسل الله إلى بني آدم. فبَطُلت هكذا فكرة التشاؤم بالغراب وتعارضت مع الشائع عن التشجيع على قتله.
اقرأ ايضاً:خرافات عن الحذاء المقلوب.