كتب محمد السحيلي
عزير مات مئة عام ثم أعاده الله للحياة، في معجزة لم تحدث لأحد من البشر من قبل، مات قرنًا كاملًا ، واستيقظ كما مات شابًا قويًا.
القصة تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام
في يوم حار في قرية جافة تبعد عن بيت المقدس بضعة كيلو مترات يعيش بهذه القرية رجل اشتهر بالصلاح و العلم يُدعى (عُزير) كان لعزير مزرعة بعيدة عن قريته، و كان يذهب إليها يوميًا ليسقى زراعته ويطعم أغنامه، وما بين قريته ومزرعته مقبره كانت سابقًا مدينة بها حضارة عظيمة قبل أن تتحول لمقبرة تحيطها الركام
مضى عزير في الطريق الذي اعتاد العبور منه باتجاه حديقته لعله يدرك أغنامه قبل أن يصيبها الجوع والعطش، فوصل إليهم فأطعمهم وسقى حديقته، وأغراه نضج التين والعنب فلم يتمالك نفسه فقطف من العنب و التين وذهب باتجاه حماره الذى لطالما صحبه في حله وترحاله ليعيده لقريته التي ولد فيها واحتضنته
لكن الجو كان قاسٍ على عزير وحماره وكان التعب ينال من الحمار أكثر من عزير ، تباطأ الحمار في سيره ولم يستطع إكمال المسيرة ، فوقف بجانب المقابر التي كانت في السابق مدينة مزدحمه بالناس ، استغل عزير هذه الفرصة حتى يريح نفسه ويريح حماره من عبء الطريق و يتناول طعامه ثم يكمل طريقه
دخل عزير للمقابر وأخذ يبحث عن مكان يحميه من أشعة الشمس، فوجد المكان المناسب فربط حماره وأخرج طعامه و كان معه بعض الخبز الجاف و العنب والتين ، فعصر العنب ووضعه في إناء ووضع معه الخبز الجاف حتى يلين الخبز قليلًا و يستطيع أكله ، و أثناء انتظاره للخبز أن يلين قرر التأمل في المكان الذي يحيط به ، الخراب يحيط به ، و المنازل المهدمة في كل مكان ، والقبور التي مر عليها سنين منتشرة حوله ، والأموات داخلها تحولت عظامهم إلى تراب ، وكل شىء صامت وميت ، فأخذ يتأمل ويتفكر في حالهم كيف انقلب فجأة ، وأثناء تفكيره خطر بذهنه سؤال معين ، هذا السؤال غير حياته رأسًا على عقب وغير حياته تغيرًا جذريًا.
قال عزير ( أني يحيى هذه الله بعد موتها ) بمعنى كيف يحيى الله هذه الأرض بعد أن دُثرت وخربت ولم يبق منها شيء ؟ تساءل عزير عن طريقة إحياء هذه الأرض ، هو لايشك بقدرة ربه لكنه متعجب من الطريقة التي يحيى الله بها هذه الأراضي الميتة، و لم يكمل عزير هذا التساؤل حتى حدثت المعجزة العظيمة
فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، و بعد بضعة ليالٍ مات الحمار ، فتمدد الحمار بجانب صاحبه ميتًا، و هرع أهل القرية للبحث عن عزير ، بحثوا فى حديقته وفي قريته ووصلوا إلى بيت المقدس ، ولم يبقى مكانًا إلا وبحثوا فيه ماعدا المقابر فلم يخطر على بال أحد أن عزير يرقد بها
استمرت عملية البحث لشهور ثم لسنين حتى بدأ يتناسى الناس قصة عزير وأصبحوا ينقلونها كأسطورة من أساطيرهم وكقصة إختفاء مرعبة وغريبة ، حتى أبناءه نسوه وانشغلوا في حياتهم ، فنسيه الكل ماعدا خادمة كانت تعمل في منزل عزير ، وكان عمرها لايتجاوز العشرون عندما اختفى عزير
فمر العقد الأول ثم العقد الثاني والثالث ويسحب معه الرابع حتى مرت عشر عقود ، قرنٌ كامل على إختفاء عزير مئة سنة بالتمام والكمال ، فجاء أمر الله تعالى وأرسل ملكًا من ملائكته وأضاء النور في قلب عزير ، فتحول جسده من التراب إلى العظام إلى اللحم إلى الجلد و استيقظ عزير بقدرة الحي القيوم
ونهض في مكانه الذي مات فيه ، وأخذ ينظر حوله وتذكر أنه نام في المقابر لكنه عجز عن معرفة عدد ساعات نومه بالضبط كم كانت ، فسأله الملك الذي بعثه الله ، كم لبثت ؟ فقال : لبثت يومًا أو بعض يوم
فقال له الملك : بل لبثت مئة عام ، أماتك الله مئة عام ثم بعثك لتعرف الإجابة على سؤالك
صُعق عزير من الذي سمعه وأصابته الدهشة والرعب وشعر ببرودة تتسلل إلى أطرافه من شدة الخوف والإستغراب ، لكن رغم كل مشاعر الخوف هذه كان هناك إيمان عظيم يسكن قلبه ، ويحتوى روحه إيمان بأن الله قادرٌ على كل شيء وهو أعلم بعباده ، والخير كله فيما قدمه واختاره سبحانه ، وبيده الموت و الحياة والبعث
قال الملك لعزير : ( انظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنه ) بمعنى انظر إلى طعامك لم يفسد و لم يتغير رغم مرور مئة عام، فوجد أن التين كما هو وأن عصير العنب الذي وضع الخبز فيه لم يتغير و كأنه تركه منذ دقائق و ليس منذ مئة عام ، فُدهش عزير أكثر فكيف تمر كل هذه السنين و لم يتغير طعامه أبدًا
شعر المَلك الكريم أن عزير فى حيرة وتعجب وكأنه غير مصدق ماحدث ، فقال له ( أنظر إلى حمارك ) فنظر عزير للحمار فلم يجد سوى تراب حماره و بقايا عظام هشة ، فنادى المَلك الحمار فتحول بقدرة الله إلى عظام ثم إلى لحم ثم إلى جلد ثم بعث الله فيه الروح وقام الحمار أمام أنظار عزير ، من الموت إلى الحياة مرة أخرى
شاهد عزير كيف أن الله يحيى الموتى أمام عينيه وكيف يستطيع الله جل وعلا إحياء خلقه بعد موتهم ، فقال عزير بعد أن شاهد هذه الآية تحدث أمامه ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) ركب عزير حماره واتجه لقريته التي ولد وكبر وترعرع فيها ، عاد إليها بعد مئة عام ، في مشهدٍ تعجز حتى العقول على تخيله ، كل شىء تغير فى القرية ، البيوت تغيرت والشوارع تغيرت والناس تغيروا والألوان والتفاصيل وكل شيء تغير ، وكأنه دخل قرية أخرى و ليست قريته التي ولد فيها ويحفظ معالمها وطرقها ، عزير خرج من القرية وهو إبن أربعون سنة ، وعاد إليها و هو إبن أربعون سنة ، لكن لا شيء بقى على حاله أبدًا
احتار عزير كيف يعلم أهل القرية أنه عاد ، وكيف يذكرهم بنفسه ، و هل أساسًا سيعرفونه أم لا ، فقرر أن يبحث عن رجل عجوز أو إمراة مسنة لعلهم يذكرونه، فأخذ يبحث لأيام عن من يتذكره و بعد بضعة ليالٍ عثر على إمرأة طاعنة بالسن ، إمرأة رآها لأخر مرة عندما كانت فى العشرين و كانت تخدمه في بيته
عثر عزير على خادمته و كانت قد بلغت المئة والعشرون عام وفقدت بصرها ، فاقترب منها وسألها أين منزل عزير يا امرأة ؟ فبكت العجوز و أخذت تتذكر عزير وأخلاقه وعلمه وقالت اختفى منذ زمن ولم يعد ، فقال لها : أنا عزير أماتنى الله مئة عام ثم بعثنى ، لم تصدقه العجوز ، كأنه يقول شيء عجيب لا يصدقه بشر
فأرادت أن تختبره اختبارًا صعبًا، فهي كانت تعلم أن عزير مستجاب الدعوة حاله كحال الأنبياء و الصالحين فقالت له إن عزيرًا كان مستجاب الدعوة فادعوا الله أن يرد لى بصري فدعا عزير الله أن يرد بصرها ، فاستجاب الله لدعوته ورد إليها بصرها وقوتها ، وشاهدته و عرفت أنه عزير فراحت تركض وهي تبكي
وأخذت تنادي في كل أرجاء القرية وتقول إن عزير قد عاد ، فُدهش الناس مما تقول وظنوا أن شيئًا أصاب عقلها فاجتمع العلماء والحكماء في مجلسٍ خاص ليناقشوا هذا الأمر العظيم ، وكان من بينهم حفيد عزير ( إبن إبنه ) فقرروا إختبار عزير ليحددوا صدقه، فجاء إليه أحد الحكماء و سأله قائلاً له : نسمع من آبائنا أن عزير كان يحفظ التوراة ، و التوراة تحديدًا كانت قد ضاعت في حروب وفساد كان في المئة عام المنصرمة والتي مات فيها عزير ، فأخبر الحكيم عزير أن التوراة قد ضاعت وعزير الذى سمعنا عنه كان يحفظ التوراة في صدره ، فأدرك عزير أن التوراة انقطعت تمامًا عن القوم ، فذهب عزير إلى الظل و أخذ يكتب التوراة حرفًا حرفًا و كلمة كلمة حتى انتهى من كتابة التوراة كاملة وسط ذهول من الناس ودهشة ، وما أن انتهى من الكتابة حتى آمن الناس به وصدقوه ، لكن مهمة عزير لم تنتهى بعد ، فعزير كان قد خبأ نسخة من التوراة قبل أن يموت في مكانٍ ما خوفًا أن تطالها أيدي الفاسدين
فقرر أن يستخرجها من مكانها ويقارنها مع التي كتبها حتى يتأكد من خلو كتابته من أى خطأ ، لكنه صُدم عندما وجد أن التوراة التى خبأها قد إختفت ، فعرف عزير و استوعب أن الله لم يميته فقط حتى يريه كيف يحيى الموتى ، بل أيضًا حتى يخرج ويكتب للناس التوراة بعد أن ضاعت بسبب الحروب
وبعد أيام قليلة كعادة بنى إسرائيل ادعوا أن عزير إبن الله ، وضلوا عن الطريق الحق كعادتهم ، بل وبعضهم قارن عزير بموسى ، وقالوا موسى جاء بالتوراة في كتاب ، أما عزير فجاء بالتوراة بدون كتاب ، و ظلموا موسى عليه السلام ، و ادعوا أن عزير إبن الله وضلوا ضلالًا عظيما
قال تعالى : و قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ و قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُون ( التوبة / 30 )
العلماء إختلفوا حول عزير ، منهم من قال هو نبي ، و منهم من قال هو رجلٌ صالح
………………………………………………………………….
البداية و النهاية لإبن كثير
الكامل في التاريخ لإبن الأثير
الأحاديث الصحيحة من أخبار و قصص الأنبياء لإبراهيم محمد علي