السودان: من الانقسام إلى الحرب
كتبت- چونير مينا
السودان… بلد طالما كان حاضرًا في الوجدان العربي بتاريخه وثقافته وعمقه الجغرافي. ومع ذلك، لم يعرف هذا البلد طريقًا سهلاً نحو الاستقرار. فمنذ لحظة استقلاله، ظل يتقلب بين حروب أهلية طويلة، وانقسامات حادة، وانقلابات عسكرية متعاقبة، إلى أن وصل اليوم إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في إفريقيا.
في هذا الحوار، يفتح لنا الخبير الأمني والاستراتيجي أ.ح. أشرف فوزي صفحات تاريخ السودان الحديث، مستعرضًا جذور الأزمة من لحظة ميلاد الدولة، مرورًا بمحطات الحرب والسلام والانفصال، وصولًا إلى الحرب الأخيرة بين الجيش والدعم السريع، وما خلّفته من خراب إنساني وسياسي.
رحلة تكشف كيف صاغت العقود الماضية مستقبل السودانيين، ولماذا وصل البلد إلى هذا المنعطف المرير، وما الدرس الذي يجب أن يُتَعلّم من كل ما حدث.
بدأت قصة السودان المعاصر في عام 1956، حين أعلن استقلاله عن الحكم الثنائي البريطاني–المصري، وارتفع العلم الجديد في الخرطوم وسط احتفاء شعب انتظر هذه اللحظة عقودًا. لكن خلف هذا المشهد البهي، كانت الدولة الناشئة تحمل في جوفها انقسامًا عرقيًا ودينيًا عميقًا بين شمال عربي مسلم وجنوب إفريقي مسيحي ووثني.
انقسام لم يكن مجرد تفاصيل ديموغرافية، بل بذرة زرعت أول خيط في حكاية الصراع الطويل.
ورغم أن لحظة الاستقلال بدت بداية جديدة، فإن التوترات المسلحة في جنوب السودان بدأت حتى قبل ذلك. وتحولت سريعًا إلى أول حرب أهلية استمرت من 1955 حتى 1972، ودفع السودان خلالها أثمانًا باهظة من الأرواح والاستقرار. انتهى هذا الفصل بتوقيع اتفاقية أديس أبابا التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا، وأعادت الهدوء مؤقتًا.
لكن الهدوء لم يكن إلا سكونًا يسبق العاصفة. ففي 1983، أعلن الرئيس جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية على كامل السودان، بما في ذلك الجنوب غير المسلم، وهو ما أشعل فتيل الحرب الأهلية الثانية بقيادة جون قرنق والحركة الشعبية لتحرير السودان. حرب كانت أعنف وأطول، وخلّفت ملايين القتلى والنازحين، ومزّقت البنية الاجتماعية والسياسية للدولة.
وفي تلك الفترة، لم يكن المشهد السياسي السوداني أكثر ثباتًا. فقد تعاقبت الانقلابات من حكم سوار الذهب إلى حكومة الصادق المهدي، وصولاً إلى انقلاب عمر البشير عام 1989. ثلاثة عقود من حكم البشير جعلت الانقسامات أكثر رسوخًا، ورسّخت الحكم العسكري طويل الأمد، مما أعاق أي محاولة حقيقية لبناء دولة مستقرة.
ثم جاء عام 2005 ليشهد توقيع اتفاقية السلام الشامل بين حكومة البشير وقرنق، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا وحق تقرير المصير بعد ست سنوات. ورغم أهميتها، فإن الاتفاقية فقدت قائدها الأبرز بعد مقتل جون قرنق في حادث غامض، ما خلق فراغًا سياسيًا كبيرًا في الجنوب.
وفي 2011، شهد السودان نقطة تحول تاريخية حين صوّت الجنوبيون بنسبة 99% لصالح الانفصال. وفي 9 يوليو، وُلدت دولة جنوب السودان الجديدة، بينما دخل الشمال في أزمة اقتصادية خانقة بعد فقدانه لأكثر من 70% من موارده النفطية.

السودان: من الانقسام إلى الحرب
غير أن جراح السودان لم تتوقف عند الجنوب. ففي عام 2003، اشتعلت أزمة دارفور عندما حملت قبائل الإقليم السلاح احتجاجًا على التهميش، وردّت الحكومة بإطلاق ميليشيات الجنجويد بقيادة حميدتي. شهدت المنطقة مجازر واسعة واتسعت دائرة العنف، حتى أصبح النظام السوداني متهمًا بالإبادة الجماعية، وصدرت مذكرات توقيف دولية بحق البشير.
ومع تراكم الأزمات، انفجرت الشوارع السودانية في احتجاجات واسعة أطاحت بالبشير بعد ثلاثين عامًا من حكمه. لكن آمال بناء حكم مدني لم يكتب لها النجاح. فعلى الرغم من تشكيل مرحلة انتقالية بين المدنيين والعسكريين، جاءت مجزرة القيادة العامة في يونيو 2019 لتنسف كل ما بُني، وتترك جرحًا لا يندمل في ذاكرة الثورة.
ومع مرور الوقت، اتسعت الهوة بين المكوّنات السياسية والعسكرية، وبرز الصراع بين البرهان قائد الجيش وحميدتي قائد الدعم السريع. صراع بدأ خافتًا، ثم اشتعل، ثم توسّع حتى أصبح حربًا كاملة في أبريل 2023. تحولت الخرطوم إلى ساحة قتال مفتوحة، واشتعلت دارفور من جديد، وانهارت الخدمات الأساسية، وأصبح ملايين السودانيين نازحين يبحثون عن مأوى وكسرة خبز.
ورغم كل هذا الموت، بقيت في السودان روح لا تُكسر. فوسط المجاعة والمرض والنزوح، لا يزال الشارع السوداني يتمسك بالأمل، ويتمرد على واقع الحرب، وينتظر فرصة للعودة إلى حياة تستحق أن تُعاش.
وهنا يظهر الدرس الأكبر: لا سلام بلا عدل… ولا وحدة بلا مساواة.
فالسودان اليوم يقدم للعالم مثالًا على أن إقصاء جزء من الوطن يدمّر الكل، وأن العنف لا يضمن استقرارًا بل يعمّق الانقسامات. وبين الدم والرماد، لا يزال الدعاء قائمًا بأن يعم السلام أرض السودان، وأن تستعيد هذه الأرض الطيبة ما تستحقه من استقرار وكرامة.
السودان: من الانقسام إلى الحرب
هذا السرد الطويل ليس مجرد استعراض تاريخي، بل محاولة لفهم كيف وُلدت الأزمة، وكيف يمكن أن تُحل. فالسودان، رغم تعدد جراحه، لا يزال قادرًا على النهوض إذا تحقق العدل، ووجدت القيادات السياسية والعسكرية إرادة حقيقية لإنهاء معاناة الناس.
ويبقى صوت الخبير الاستراتيجي أ.ح. أشرف فوزي رسالة واضحة: السلام يبدأ من الاعتراف بالآخر، وتنتهي الحروب حين يؤمن الجميع أن الوطن يسع كل أبنائه.