كتبت: سوهندا يوسف
مجرة أندروميدا هي أبعد ما يكون عن مجرد منظر جمالي تراه في السماء من خلال عينك المُجردة رغم ابتعادها عنا بما يقدر 2.5 مليون سنة ضوئية-بل هي أقرب المجرات الكبيرة لمجرتنا والدليل الأول للبشرية بعد رحلة طويلة من الغموض والجدل.
بأن مجرة درب التبانة ليست المجرة الوحيدة الموجودة في الكون ولكنها واحدة من آلاف أو ملايين المجرات، والمعلومات التي كشفتها لنا المجرة الحلزونية غيرت مفهومنا عن الكون بأكمله بجانب أنها في الطريق للاصطدام بمجرتنا .

على مدار قرون عديدة لاحظت البشرية بقعة ضبابية في السماء يمكننا رؤيتها من خلال العين المُجردة لكن لم يكن أحد متأكداً ما هذا الشيء، حيث كان الرأي الشائع مع بداية دراستها انها عبارة عن سديم موجود في مجرتنا(المكان الذي تنشأ به النجوم) .
واعتقد العلماء أن البقعة الضبابية هي عبارة عن سديم داخل مجرتنا وكان الاحتمال الأقرب والأكثر منطقية في هذا الوقت وتحديداً مع وجود فكرة أن الكون بالكامل يتكون من مجرة واحدة “درب التبانة”.
وتسمية المجرة أندروميدا تعود إلي الأساطير الإغريقية القديمة وتحديداً من اسم الأميرة “أندروميدا” زوجة البطل الإغريقي “بيرسيوس” الذي تمكن من الفوز بقلبها بعد قطع رأس ميدوسا واستخدمها لإنقاذ الأميرة من وحش البحر وتحويله إلى حجارة .

ويطلق على هذه المجرة أيضاً أسامي عديدة فتعرف بإسم مجرة المرأة المسلسلة ومجرة M31 وهو إشارة لعالم الفلك الفرنسي “شارلي مسييه”، الذي بدأ في منتصف القرن الثامن عشر بإعداد قائمة للأجرام السماوية ضمت أندروميدا مع 109 جُرم آخر.
وأرجع العالم شارلي مسييه الفضل في اكتشاف أندروميدا بأعتبارها سديم في هذا الوقت للفلكي الألماني “سيمون ماريوس” عندما قدما أول ملاحظة تلسكوبية لـ أندروميدا سنة 1618.
لكن الحقيقة الرصد الأول لـ مجرة أندروميدا يرجع لسنة 964 ميلادية، مما يعني أكثر من 600 سنة قبل إكتشاف “سيمون ماريوس” عندما وصفها عالم الفلك الفارسي المُسلم “عبد الرحمن الصوفي” بسحابة صغيرة في كتابه النجوم الثابتة.
وفي عام 1755 خرج الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” بفردية عجيبة وهي إن أندروميدا ليست عبارة عن سديم داخل المجرة الخاص بنا ولكنها مجرة منفصلة وبعيدة تماماً عنا.
في بداية العشرينيات من القرن الماضي أصبح هذا السديم هو محور جدال علماء الفلك وتحديداً إثنين من علماء الفلك الأمريكين “هارلو شابلي” و “هيبر كروتس” عندما لاحظ الآخير حدوث أكثر من انفجا في أندروميدازواستنتج من هذا أنها مجرة منفصلة عن مجرتنا وليست مجرد سديم.
واستمرت حالة الجدل إلى عام 1923، عندما إستطاع الفلكي الأمريكي المعروف “إدوين هابل” أن يحدد نوع خاص من النجوم موجود في سديم أندروميدا، والمعروف باسم النجم الملتهب وهو عبارة عن نجم نابض ذات خواص تمكنه من قياس مدي المسافة التي تبعد عنا.
وأكتشف هابل من خلاله أن البقعة الضبابية ليست مجرد سحابة من الغاز داخل مجرة درب التبانة، لكنها مجرة كاملة بحد ذاتها أبعد بمسافة عشر مرات على الأقل من النجوم الموجودة على حدود مجرتنا.
ولأول مرة في التاريخ تم إكتشاف أن مجرة درب التبانة ليست المجرة الوحيدة في الكون، وأن من الممكن أن يكون هناك مئات أو آلاف أو حتي ملايين المجرات في انتظار اكتشافها.

وبداية من هذه اللحظة تم التعرف أكثر عن المجرة الحلزونية المجاورة، التي تقع في الكوكبة التي تحمل نفس الاسم أندروميدا في شمال خط الاستواء السمائي، ولأنها مجرة حلزونية الشكل مثل مجرتنا فتحتوي على حوصلة أو انتفاخ بالقرب من مركزها ومحاطة بقرص رقيق من الغبار والنجوم يمتد قُطره إلى 220 ألف سنة ضوئية مما يعني أنه أكثر من ضعف قُطر مجرتنا.
وتعتبر هي أكبر المجرات في المجموعة المحلية الخاصة بنا، حيث مؤخراً اكتشف العلماء من خلال “تيليسكوب هابل الفضائي” وجود كُرة عملاقة من الغاز تحيط بـ أندروميدا، وتمتد إلى ما يقرب من نصف المسافة وصولاً إلى مجرتنا مما يعني أكثر من مليون سنة ضوئية.
إذا كان بإمكاننا رؤية هذه الكُرة الغازية من خلال العين المجردة كان سيبدو محيطها في السماء أكبر 100 مرة من القمر.
وقد أكتشاف حديثاً عن مجرة أندروميدا أن الحوصلة الموجودة في مركز المجرة تقوم بإخفاء ثقب أسود عملاق تصل كتلته إلى أكثر من مليون كتلة شمسية.

ففي الوقت التي تحتوي فيه مجرتنا على رقم يترواح ما بين ربع إلى نصف مليار نجمزيصل عدد النجوم في مجرة أندروميدا إلى حوالي تريليون نجم 70% منهم تقريباً في القرص الرقيق المحيط بــ الحوصلة.
توصل فريق من الباحثين الدوليين من جامعات كالفورنيا وكامبريدج، لوجود قُرص آخر سميك بيحتوي على نجوم أقدم في العمر ويمتد مسارهم فوق وأسفل القرص الرقيق، حيث يعتقد العلماء أن هذه النجوم من الممكن أن توفر أدلة عن كيفية تكون ونشأة المجرة.
ونتج عن الملاحظة وجود نجوم تتحرك بطريقتين طريقة منظمة وآخري فوضوية، حيث تم الاستدلال من خلال الحركة الفوضوية أن مجرة أندروميدا اصطدمت في الماضي ببعض المجرات الصغيرة وقامت بابتلاعها .
وتمتلك أندروميدا عدد من المجرات الصغيرة التابعة لها التي تحوم حول اطرافها الذي يصل عددها إلى 20 مجرة واحدة منهم تُسمي “أندروميدا 2” حيث أن حركة النجوم بداخلها لها أنماط غريبة يستدل من خلالها على حدوث اصطدام مجري حديث نتج عنه عملية دمج بين المجرتين بعد اصطدامهما ببعضهما.

وتؤكد الدراسات أن مجرة أندروميدا في طريقها إلى الاصطدام بمجرتنا مجرة درب التبانة والسبب في ذلك هو أنها قريبة بشكل كافي من مجرتنا وذلك لأن الجاذبية المتبادلة بين المجرتين تتغلب على التوسع الخارجي وتتسبب في وضعهم على مسار اصطدامي.
وتتحرك مجرة أندروميدا ناحية مجرتنا بسرعة 110 كيلومتر / الثانية والبقعة الضبابية الصغير الموجودة في السماء سوف تكبر ببطئ لكي تصل إلى زيادة عن نصف حجمها على مدار الـ 2 مليار سنة القادمين وبعد ذلك سوف يتسارع حجمها ليصل إلى مرتين ونصف من حجمها الحالي وتقوم بتغطية نصف السماء تقريباً، وبعد ما يقرب من 4 مليار سنة سوف تصطدم بمجرتنا.
ومن خلال تصميم أكثر من محاكاة لعملية الاصطدام هذه تبين أن التأثير الأولي الناتج عنه التصادم ممكن ينتج عنه حدوث خلل في الهيكل الحلزوني لكلا المجرتين سوف يتسبب في ظهور ما يسمي “بذيل المد” هذا الذيل يكون عبارة عن منطقة ممتد بها ذيل من الغاز والنجوم، ناتج عن قوة المد والجزر الحادث بين المجرات في حالة التصادم.
وهو نفس الشكل الذي نراه مع المجرات البعيدة مع مجرتي الهوائيات الذي تعتبر حالياً في عملية تصادم بالفعل، وبعد اصطدام أندروميدا بـ درب التبانة بحوالي 2 مليار سنة .
ومن ثم سوف تندمج مجرة أندروميدا بمجرة درب التبانة في شكل بيضاوي مثل كُرة القدم وتكوين مجرة إهليلجية وبتضم المجرتين ثقب أسود عملاق، والإثنين سوف ينسحبوا في إتجاه منتصف المجرة الجديدة خلال عملية تعرف باسم الاحتكاك الديناميكي، وفيها تؤثر تفاعلات الجاذبية مع النجوم والذي تؤثر عليها وتدفعها إلى مدارات أكبر أو حتي إلى خارج المجرة بالكامل.
في الوقت الذي تفقد فيه الثقوب السوداء كمية الحركة الدورانية وتتجه ناحية منتصف المجرة وبمجرد أن تكون المسافة الفاصلة بين الثقبين حوالي سنة ضوئية واحدة سوف يبدأوا في فقد الطاقة المدارية لموجات الجاذبية ليندمجوا في النهاية ويكونوا ثقب أسود هائل جداً.
وبغض النظر عن إننا نتحدث عن حدث بعد مليارات السنيين إلا أن عملية الاصطدام نفسها لن تكون عبارة عن انفجار من النجوم المحطمة لأن النجوم في كل مجرة تكون بعيدة جداً عن بعضها لدرجة تجعلهم لا يكونوا في خطر حقيقي ولكن من الممكن حدوث تدافع بعض الشئ يتسبب في تباعد نظامنا الشمسي عن مركز درب التبانة .