كتبت: ندى الهلباوى
“يا سلام على مصر زمان و ايام زمان، يا ريت الزمن يرجع بينا تاني” عبارة تتكرر كثيرا على ألسنة الآباء والأجداد، عندما يستعيدون ذكرياتهم، يشيرون إلى روعة وجمال مصر المحروسة فى خمسينيات القرن الماضى، ما أجمل أيام الملكية المصرية! – عصر مصر الذهبي- الذى كان يتسم بالرقى و العظمة فى كل شيء، و ما أجمل الحرية و الاستقلال بعد ثورة ٢٣ يوليو!
تميزت الحياة اليومية بمصر في الخمسينات بالبساطة و الرقي في الشوارع، العمارات، ملابس الناس، وأيضا عاداتهم في هذا الوقت. فنجد العِمارات الراقية الخديوية بمنطقة وسط القاهرة، حيث المباني الكلاسيكية وجمال زخارفها، كما نرى أيضا بدء إلغاء ارتداء الطربوش الذي يميز أيام الملكية المصرية، أو وجود الملاءة اللف التي تميزت بها فتيات الحارات، وهو ما يرمز إلى تأثير ثورة ٥٢ الملحوظ على الثقافة والنظام الاجتماعي والسياسي في حقبة الخمسينات.
بالنظر إلى عدد السكان ، كانت مصر دولة نظيفة في الخمسينيات من القرن الماضي ، استفادت من إرث الملك فاروق الذي قيل إنه أمر بغسل شوارع القاهرة كل يوم في الأربعينيات. الناس يمشون على أرض وممهدة، كانت الجنائن جميلة و نظيفة، و لم يكن هناك هذا الكم من الزاحم و التكدس المروري، فعدد السيارات ووسائل النقل كان أقل بكثير من العدد الحالي وأسطح المنازل كانت نظيفة خالية من أسلاك الدش، فالأسر مترابطة والبيوت مستقرة و الجيران تربطهم علاقة احترام متبادلة.
يطلقون عليه زمن الفن الجميل، حيث برزت فيه مصر بشكل لا مثيل له في الموسيقى والمسرح والسينما و رقى عروض البالية بدرا الأوبرا المصرية. فلأفلام الأبيض والأسود طابع خاص لدى المصريين. كانت الأفلام لها رسائل هادفة و صادقة.
بحديثها عن علاقة حب راقية وسامية دون أن تخدش حياء المتفرجيين، و بتجسيدها عن الواقع بصورة محترمة و موضوعية، و بمناشدة الأفلام بحرية مصر و استقلاها النابع من حب المصريين القوى للبلاد. فيسحرك جمال شادية البرىء، رقة فاتن حمامة، رقى مريم فخر الدين، و شقاوة سعاد حسني. يذهلك أداء أحمد مظهر، و جاذبية رشدي اباظة، وخفة دم أحمد رمزي.
ملابس السيدات كانت تواكب احدث صحيات الموضة التى كانت تنزل فى مصر قبل أوروبا وتباع فى محلات شيوكوريل، ومع ذلك لم يكن هناك اى انحطاط أخلاقي كالتحرش الموجود الآن، لأن الناس كانوا على قدر عالي من الاخلاق و التدين فالعقول كانت مستنيرة، والشباب يقضون أوقات فراغهم فى أشياء مفيدة كالقراءة والدراسة، فالثقافة كانت سائدة وقتها.
فلم يدخل التليفزيون إلى مصر حتى الستينيات ، لذلك كان المصريون قبل ذلك يعتمدون على الإذاعة والصحف والكتب كمصادر للمعلومات والمعرفة ، مما جعلهم في الواقع أكثر استنارة.
لا توجد أجهزة تلفزيون ولا إنترنت ، لذلك كان لدى الناس الوقت ليعيشوا حياتهم حقًا ، بدلاً من مشاهدة الآخرين على الشاشة. ربما كان هذا هو السبب في أن حضور الحفلات كان نشاطًا شائعًا وبأسعار معقولة.
كانت معظم العائلات في الخمسينيات كبيرة ، وتتألف من خمسة أو ستة أطفال. وهذا يعني أن الحياة كانت ميسورة التكلفة بسبب ارتفاع قيمة الجنيه المصري ، إلى الحد الذي يمكن فيه لموظف من الطبقة الوسطى إطعام وتعليم أسرته بأكملها.
فما أجمل هذا العصر، و هذه الأيام الراقية التي نتمني ان نعيد ولو جزء بسيط منها فى كل جوانب الحياة الآن.