“لا أستطيع التنفس” ثورات تربك حسابات أمريكا.. و”الفوضى الخلاقة” ترتد إليها

29

كتب: كريم فهمي 

في مشهد يشبه ما جرى في منطقتنا العربية من تظاهرات سميت بـ”الربيع العربي”، التهبت الأوضاع فجأة في الولايات المتحدة الأمريكية واشتعلت الأجواء دون سابق إنذار، وسط قصص تشبه ما جرت على كنف الثورات العربية والتي أذنت إبانها الولايات المتحدة منادية بالحرية لشعوب المنطقة العربية.

وبعد أن جاهرت الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 بضرورة إحداث “فوضى خلاقة” لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة العربية المتعلقة بنشر “الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان”… دارت العجلة اليوم على الأراضي الأمريكية في مشهد ترتد فيه مبادئ الولايات المتحدة ” “الفوضوية”.

وتحت شعار “لا أستطيع التنفس”، خرجت ثورات “الفوضى الخلاقة” من مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا في 25 مايو الماضي، بعدما انتشر مقطع فيديو يظهر وفاة جورج فلويد الأمريكي الأسود بعد أن ظل شرطي يدعى “ديريك شوفين” يضغط لنحو تسع دقائق بركبته على عنق فلويد الذي كان يردد “لا أستطيع التنفس”.

وترتكز نظرية “الفوضى الخلاقة” التي صاغتها الولايات المتحدة  على تأجيج الصراع العرقي والطائفي.. “إن التركيبة العرقية لا تنفجر -وفق منظور دعاة الفوضى الخلاقة- من تلقاء ذاتها ولا بصورة عفوية“.. هكذا بدا المشهد في أمريكا حيث انفجرت التظاهرات بسبب اضطهاد “السود” والعنصرية التي تمارس بحقهم.

كما استندت النظرية “الخبيثة” إلى تأجيج العصبيات وتحويل الولاء للدولة الواحدة الموحدة إلى ولاءات مجتزَأة لكيانات بدائية، تدفع بـ”قيم” اللهجة أو اللغة أو الهوية أو الحاضنة الإثنية أو ما سواها، بغرض التمايز والتميّز عن بقية مكونات البلد.. وهو أيضا ما ظهر جليا في ثنايا التظاهرات الأمريكية حيث بدأت شعارات تنادي بحقوق “السود” ، وهي قضية سياسية بامتياز .

فشعار “لا أستطيع التنفس” يحمل العديد من المطالب السياسية والاجتماعية التي لا تنفك عن سلوك نظام الحكم في الولايات المتحدة، وهو ما يفند ادعاءات بعض الساسة الأمريكيين الذين يفسرون ما حدث أنه له علاقة بقضية اجتماعية فقط.. لكن سلوك الشرطة هو سلوك سياسي وتعامل الشرطة ضد السود لم يكن وليد اللحظة وإنما هي سياسة عنصرية مغروسة في قلب “الأنا” الأمريكية التي تعلو أي “آخر” في البلاد والعالم.

وقد تبدو التظاهرات ضد “تجبر وتكبر” النزعة “الآناوية” المتصل بـ”الأنا” الأمريكية العليا، والتي ترى أن الأمريكي الأبيض في بطون البشر.

ويبقى المشهد في أمريكا بموجاته المتلاطمة والمتلاحقة – بين شد وجذب – بين حق سياسي واجتماعي لفئة “السود” وبين حق السلطة في الدفاع عن بقائها أي كان الثمن، معتبرة أن هذه التظاهرات تهدد  حالة النظام بالبلاد.

كما تبقى ارتدادات “الفوضى الخلاقة” تلاحق مؤسسيها في الولايات المتحدة، ليترقب العالم النامي، وفي القلب منه الوطن العربي، ما هو شأن السلطة في التعامل مع هذه الأزمة، وسلوكها الذي تنتهجه تجاه هذا الوضع الأول من نوعه منذ عشرات العقود من الزمن، آخذين في الاعتبار انتقادات أمريكا إبان ما سلكته الحكومات العربية وقتما اندلعت تظاهرات ما سمي بـ”الربيع العربي”.

تعليقات
Loading...