جريدة شبابية مستقلة

الدكتور معتز أبوزيد يكتب عن “عصر الكورونا”

236

كتب: الدكتور معتز أبوزيد

            (محاضر القانون الدستوري.. وخبير تشريعات حقوق الإنسان)

يعتبر إعلان منظمة الصحة العالمية بشأن وباء أو فيروس كورونا التاجي المستجد (covid – 19) انتقالا نوعيا ليس فقط في مجال مكافحة الفيروسات أو الأوبئة وإنما في مجالات عديدة ربما يشهدها العالم في مختلف بلدانه للمرة الأولى، و هو ما أود أن أعرضه في ذلك المقال .

لست من الخبراء أو المتخصصين في المجال الطبي أو الوقائي وإنما على العكس أرى نفسي واحدا من باحثي القانون الدستوري و المهتمين بذلك المجال، وفي ذلك النطاق يمكننا في البداية الاعتراف أنه ومع اختلاف و تباعد كل من المجالين الطبي والدستوري إلا أن فيروس كورونا التاجي قد أعاد إلى أذهاننا فكرة تشابك الحقوق والحريات في القانون الدستوري؛ فإن ما أحدثه ذلك الفيروس أو الوباء من تأثير بداية على حركات النقل و التجارة قد أثر بشكل لا ينكر في مجال الحريات الاقتصادية بل وأثر في بعض الأماكن على ممارسة العقائد و الشعائر الدينية و التي تعتبر من أكثر الحقوق شخصية و حساسية لدى البعض .

ومن ناحية أخرى أكد وباء الكورونا على نسبية تناول الحقوق والحريات بسرعة تفشيه وانتشاره و تسارع الدول و الأنظمة القانونية و الدستورية في مواجهته إلى ابتداع آليات جديدة لهذه المواجهة مما حدا ببعض الدول الى تعليق بعض الأنشطة والممارسات مثل التجمعات و المسابقات الرياضية وكذلك توقيف بعض أعمال الجهات التعليمية والدراسية بل وعلى النطاق الأوسع انتشارا بمنع بعض الأغذية أو إغلاق بعض المطاعم .

الا أن التأثير الذي أحدثه ذلك الوباء والذي اختلف عن سبل و مواجهات الأوبئة والفيروسات على مدار التاريخ وفي مختلف أنحاء العالم تأثيره على حقوق و حريات لم يتصور أحد أن تتطرق اليها مجالات المكافحة الطبية أو أن يصير الحق في الصحة أو سلامة البدن طاغيا بهذا الشكل و متقدما على كل الحقوق و الحريات مثل تعليق بعض أعمال المحاكم بل و فرض الاقامة الجبرية على المواطنين في بعض الدول فصار الحق في الصحة يضع حدا لحق التقاضي وينظم حدودا كذلك لحريات التنقل والإقامة، و هو ما لا يلاحظ إلا عند اهتزاز الدول وتحول أنظمتها الدستورية وتغيير نظم الحكم فيها؛ مما يعني أن شأن هذا الوباء تجاوز نطاق الكارثة الطبيعية أو حتى القوة القاهرة التي قد تؤثر في سير بعض مرافق الدولة أو في نطاق جغرافي محدد، فالأمر أصبح لا يقل تأثيرا عن حالات الثورات و الاحتلال أو الاستقلال التي تؤثر في الانظمة و القواعد و الأحكام القانونية أو الدستورية .

لقد مر على العالم العديد من الأوبئة والفيروسات التي تأثرت بها بلدان وأصيب بها العديد من الأفراد حول العالم مثل الطاعون والكوليرا وأنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير وفيروس سارس وما إلى ذلك الا أن الأمر حاليا ومع وباء كورونا الحالي يأخذ بعدا جديدا يرتبط بنظم الدول الدستورية وحقوق وحريات المواطنين، ولسنا في هذا المجال لانتقاد مسلك الدول والحكومات في مواجهة هذا الوباء وإنما يعتبر الارتباط بالنواحي الدستورية من الحقوق والحريات، إشارة إلى أن يعي الجميع ليس الحكومات فقط وإنما الأفراد كذلك أن الحقوق و الحريات الدستورية إنما هي في أصلها التاريخي عقد اجتماعي لبقاء الدولة واستقرارها وسبيل لعيش أفضل يمارس الأفراد فيه حرياتهم وتضمن لهم الدولة من خلال نشاطاتها ما تقرر لهم من حقوق وفي ظل ما تقوم به الدول حاليا من مقاربة ونسبية هذه الحقوق و الحريات فعلى الأفراد كذلك عدم إساءة الفهم أو الإدراك أو التعامل مع هذه المستجدات على تصور أنها حالة من حالات الضعف أو التكاسل أو الاستسهال ، و انما يظل الهدف الأخير من تضييق أو اتساع الحقوق أو الحريات هو سبيل العيش الأفضل للأفراد .

ونهاية لا يمكن الالتفات عن أن وباء كورونا هو بداية لفهم جديد للحقوق و للحريات الدستورية من حيث التشابك و النسبية و التداخل والضمان وما على النظم القانونية من واجب كفالتها وما على الأفراد من واجبات وحدود الممارسة، وإن كان شأن الإصابة والمعاناة حول العالم لا يجعل هذا الوباء محلا للشكر، لكن ما أدى إليه من حراك وتغيير في مجال الحقوق والحريات يستحق التقدير والتنويه إلى أن هناك قواعد مستحدثة لتناول دستوري وممارسات جديدة للأفراد يفرضه عصر الكورونا على جميع الأطراف الأنظمة والدساتير .

- Advertisement -

تعليقات
Loading...