أتاكاما…صحراء بين الأرض و المريخ

366

كتبت: مي هنداوي

صحراء أتاكاما بشمال تشيلي تلك الصحراء الأقدم والأكثر جفافًا في العالم بحسب ما يرى الكثيرون، فأتاكاما بأخاديدها الصخرية الملونة، وبراكينها المغطاة بالثلوج، والبحيرات الفيروزية، والبالوعات الحارة المغلية، في الحقيقة هي بمثابة موطن لعشرات الأنواع من النباتات، والحيوانات، والميزات الجيولوجية.

 فالصحراء تمتد على أكثر من 103 ألف كيلومتر مربع في شمال تشيلي، ما يجعلها أصغر بقليل من صحراء موهافي في جنوب غرب الولايات المتحدة، كما يبلغ طولها حوالي 1000 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، لتعبر حدود تشيلي وتصل إلى بيرو، وبوليفيا، والأرجنتين،كما تكتسب صحراء أتاكاما إلى حد كبير لقب الصحراء الأكثر جفافًا في العالم، بسبب موقعها بين سلسلة جبال كورديليرا دي لا كوستا إلى الغرب وجبال الأنديز إلى الشرق، حيث تتراوح الارتفاعات المحيطة بها بين 5 و16 ألف قدم.

فهي توجد على طول الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية صحراء شاسعة لا يمكن تصورها، إنها الجحيم على الأرض، لكنها تشبه وُجهةً حمراء أخرى لطالما ضايقت العلماء، فصحراء أتاكاما في تشيلي هي من بين الأماكن الأكثر جفافًا على الكوكب، فهي قاحلة لدرجة أن الأمطار قد لا تسقط عليها لعقود أو قرون ، هذا ما يجعل المشهد العدائي هو تقريبًا أقرب ما لدينا إلى المريخ على الأرض.

كما أن الجبال والعوامل البيئية الأخرى تمنع وصول الأمطار إلى أتاكاما، ما يخلق ما يسمى بظل المطر، إذ تستقبل أتاكاما أقل من ميليمتر واحد من الأمطار سنويًا، بينما تشير الأبحاث إلى أن بعض مجاري أتاكاما قد جفّت منذ 120 ألف سنة، فضلاً عن جيوب الصحراء في أمريكا الجنوبية، التي يُقال إنها لم تشهد أي أمطار على الإطلاق،ويتواجد أيضًا بمنتجع صحي خاص به،وأربعة أحواض سباحة في الهواء الطلق، واسطبلات للخيول، بالإضافة إلى مطعم وبار، كما يعتبر فندق إكسبلورا أتاكاما، منزل مغامرات أكثر من مجرد فندق اعتيادي، كما يوفر أيضاً رحلات استكشاف لنزلائه داخل الصحراء الواسعة.

ويتواجد أيضًا يدعملاقة تتوسط صحراء أتاكاما في تشيلي ويصل ارتفاع اليد إلى 11 مترًا وتم افتتاحها عام 1992، فهي من أعمال الفنان التشيلي ماريو إرازابيل، وذلك حتى يُجسّد المعاناة الإنسانية والشعور بالوحدة والظلم، والتي اختار لها هذا المكان المنعزل للمزيد من التعبير عن وجه نظره، فقد تم تشييد التمثال على ارتفاع 110 متر فوق سطح البحر ، ومنذ ذلك الحين أصبح الطريق الذي يمر على التمثال مقصد سياحي مهم.

ويقول عالم الكواكب (ديرك شولز ماكوش ) من جامعة ولاية واشنطن: “لطالما فتنني الذهاب إلى الأماكن التي لا يعتقد الناس أن شيئًا يمكن أن ينجو فيها، واكتشاف أن الحياة وجدت طريقةً ما للاستمرار. إذا كان بإمكان الحياة أن تستمر في البيئة الأكثر جفافًا على الأرض، فهناك فرصةٌ جيدةٌ لوجودها هناك على سطح المريخ بطريقة مماثلة”.

 

فهذه ليست المرة الأولى التي تُكتشَف فيها الميكروبات في صحراء أتاكاما، لكن الأبحاث السابقة تركت احتمالًا أن أي حياة تُكتشَف في التربة الرملية يمكن أن تكون “بقايا ميتة أو محتضرة لخلايا قابلة للحياة ترسبها في الغالب العمليات الجوية”، ففي هذه المرة، وجد الباحثون دليلًا فعليًا على وجود مجتمع ميكروبي نشط ومزدهر، أو على الأقل على قيد الحياة، في التربة، ولكن كما يحدث في كثير من الأحيان، اعتمد العلم العظيم على نوبة حظ أكبر من أي وقت مضى، فبعد وقت قصير من وصول (ديرك شولز) وزملائه الباحثين إلى الموقع في عام 2015، حيث فُتحت السماء وسقط المطر في الصحراء، تلك الحدث النادر بشكل لا يُصدق، مما أدى إلى هطول أكبر كمية من الأمطار في المنطقة منذ بدء التسجيل الرسمي منذ ما يقرب من 40 عامًا.

كما  اكتشف الباحثون انفجار النشاط البيولوجي في عينات التربة المستخرجة من ثمانية مواقع عبر الصحراء، ثم عاد الباحثون لإجراء أبحاث المتابعة في عام 2016 و 2017، ولكن أثناء عودتهم لم تهطل الأمطار، وبدأت علامات الحياة تختفي في العينات اللاحقة،ومع ذلك تقترح مجموعة من الاختبارات الجينية والتحليل الكيميائي بأن الميكروبات تطورت في التربة المحددة حيث عُثر عليها.

 فالمجتمعات البكتيرية القاسية، التي تقع على مسافة قدمين أسفل سطح الصحراء،توحي  بأن الميكروبات قد تبقى على قيد الحياة لفترة طويلة للغاية بين المشروبات، حيث تدخل نوعًا من الركود الأيضي لتستمر لفترة طويلة من الجفاف حتى تستأنف الظروف الرطبة، ويقول شولتز: “هذه هي حقًا المرة الأولى التي يتمكن فيها أيّ شخص من تحديد نمط حياة مستمر يعيش في تربة صحراء أتاكاما. نعتقد أن هذه المجتمعات الميكروبية يمكن أن تظل ساكنة لمئات أو حتى آلاف السنين في ظروفٍ مشابهة للغاية لما يمكن أن تجده على كوكب مثل المريخ ثم تعود للحياة عندما تمطر”.

 ولكن مع  قسوة وعدم رحمة صحراء أتاكاما ، لكنها ليست المريخ، والذي يكون قاسيًا وجافًا بشكلٍ لا يمكن تصوره، ومع ذلك إذا كان العلماء يبحثون عن أمل جديد للعثور على حياة على كوكب المريخ، فإن هذه الميكروبات الرملية التشيلية العطشى قد تكون هي فقط، حيث هي أقرب شيء لدينا له قالب لأي نشاط بيولوجي قد يكون موجودًا على الكوكب الأحمر، و يضيف (شولتز): “نعلم أن هناك مياه متجمدة في تربة المريخ وأن الأبحاث الحديثة تشير بقوة إلى تساقط ثلوجٍ ليلية وغيرها من حوادث الرطوبة المتزايدة بالقرب من السطح”، كما ذكر(شولتز)”إذا تطورت الحياة على كوكب المريخ في مرة من المرات، فإن بحثنا يشير إلى أنه كان بإمكانه العثور على بيئة تحت سطح الأرض تحت تربة اليوم شديدة الجفاف”.

تعليقات
Loading...